الثلاثاء 30 نوفمبر 2021
القاهرة °C

أوجلان ونهاية طاغوت

أوجلان ونهاية طاغوت

 

محمد أرسلان علي

وما زال أردوغان يصرّ على اللاحل للقضية الكردية بشكل خاص ولمعظم المشاكل التي تعانيها تركيا جرّاء سياساته الإقصائية والاستعلائية التي يتبناها كأسلوب للوصول لأوهامه في استرجاع العثمانية من جديد. بهذه العقلية ربما يسير أردوغان بتركيا نحو الهاوية والانزلاق الثاني نحو التشتت والتقسيم، بعد أن كان التقسيم الأول من نصيب الرجل المريض من خلال الحرب العالمية الأولى بيد الإنكليز والفرنسيين حينذاك. اليوم ونحن نعيش رحى الحرب العالمية الثالثة ربما يكون أردوغان السبب في الانهيار الأخير لما تبقى من تركيا، ويصبح بذلك الحفيد المجنون والصعلوك الذي أحرق تركيا بيديه وبمن عقد تحالفه معهم من الروس والأمريكان.

التاريخ مليء بالعبر والدروس لمن يقرأه ويستوعبه، أو بالأحرى لمن يعيش هذا التاريخ بكل إيجابياته ليُعظّم من شأنه، وكذلك بسلبياته لتفاديها ولتقديم النقد حياله. إلا الاستبداديون والسلطويون فهم لا يُدرِكون معنى التاريخ، وينظرون إليه وكأنه كناية عن أرقام سنين مرَّت ويسعون لاسترجاعها ويعيشون بطشها.

نيرون أحرق روما ولكنه لم يشبع غليله بالرغم من ذلك. ووفق ما يقال فإنه كان يغني على أحد المسارح والحرائق تلتهم شعبه. وما أشبه اليوم بالأمس حينما نرى أردوغان يتشبه بمعلمه نيرون ويريد أن يشعل المنطقة بأكملها وليس اسطنبول فقط بعد أن فقدها.

تأجيل حرق تركيا من الداخل وتصدير كافة الأزمات نحو الخارج، وقيامه بإحراق إدلب وطرابلس فوق رؤوس أهلها، لن ينقذ أردوغان أبداً من انتشار هذه الحرائق نحو الداخل التركي الذي يغلي كمرجل على نار كادت أن تتحول إلى بركان شعبي يقضي على أردوغان وتركيا معاً. فلا نيرون وصل لأوهامه في بناء روما الجديدة واسترجاع ميراث الامبراطورية الرومانية، ولا أردوغان سيكون أعقل من نيرون. إذ لن يستطيع أردوغان تحقيق أوهامه في إحراق المنطقة برمتها كي يسترجع ميراث الذل والقتل من الامبراطورية العثمانية.

فكيفما أنه كان للكرد دور ذو شأن في تشكل الامبراطورية العثمانية، حينما انخدعوا بالسلاطين الذين تقنعوا بقناع الاسلام فحاربوا معهم، فربما سيكون الكرد أنفسهم في القرن الحادي والعشرين هم السبب في انهيار المنظومة الحاكمة في الجمهورية التركية بعد أن طغت ونشرت الفساد والنفاق في البلاد وبين العباد.

نيرون أحرق روما ولكنه لم يمت وما زالت اللعنة تنصب عليه، كذلك كافة المستبدين تلاحقهم اللعنة حتى بعد موتهم، وأردوغان ليس آخرهم بكل تأكيد. وما زالت اللعنات تنصبّ على موسوليني وهتلر وغيرهم من المستبدين الذين استقووا على شعوبهم من أجل أوهام أرادوا تحقيقها وهي بعيدة عن الواقع المجتمعي للإنسان.

بين هذه الحرائق مجتمعة كانت نيران وحرائق نمرود التي غيّرت مجرى التاريخ، وكانت انطلاقة سيدنا إبراهيم ضد الظلم والاستكبار. وهاهو أوجلان يسير على خُطى سيدنا إبراهيم محطماً كافة الأصنام التي جعلت من نفسها آلهة يتعبدها أنصاف البشر من العبيد والمرتزقة الذين ارتهنوا لأردوغان وجعلوا منه نمرود العصر.

وبكل تأكيد، وكيفما أنَّ نيران نمرود لم تحرق إبراهيم بالرغم من تحطيمه الأصنام تلك، كذلك فإن نيران أردوغان التي أشعلها، إن كان في ايمرالي أو في أي مكان، لن تحرق أوجلان وستكون برداً وسلاماً عليه، مهما فعل أردوغان ومهما زاد من طغيانه وتكبره، ومهما راحت مرتزقته وزبانيته تنشر القتل والدمار والحرق في سوريا أو ليبيا.

ستبقى فلسفة أوجلان متممة لفلسفة وثورة سيدنا إبراهيم على كل الذين جعلوا من أنفسهم أنصاف آلهة على الشعوب والمجتمعات، ومن النظم الاستبدادية والديكتاتورية القوموية والثيوقراطية الدينوية التي تقنَّعت بقناع الدين للوصول إلى السلطة. وفلسفة أخوة الشعوب والتعايش المشترك بين كافة القوميات والأثنيات والمذاهب ستكون الرد المناسب لكل من يسعى إلى تقسيم المنطقة وفق أهوائه ليزيد من تسلطه على الشعوب.

الأمة الديمقراطية التي سطّرها أوجلان ستكون الحل الأمثل ربما لمعظم القضايا والمشاكل التي تعانيها المنطقة في حالات التشتت الفكري الذي أصاب المجتمعات والمثقفين والنظم المفلسة فكرياً، والتي تعمل بكل جهدها للتطفل بالعنف والنفاق لاستمرارية بقائها قدر المستطاع. فأوجلان بفلسفته هذه يغلق الطريق أمام المستبدين والآلهة المقنَّعة من النظم التوتاليتارية، وبنفس الوقت أمام العبيد الذين يكوّنون الأرضية الخصبة لظهور مثل هذه الشخصيات المستبدة. وربما يكون أوجلان السبب في نهاية أردوغان الطاغوت الذي عاث بالأرض فساداً وقتلاً تحت مسمى الدين مستثمراً بالعبيد من المرتزقة الذين يحفرون قبورهم وقبر خليفتهم بظلمهم، وبكل تأكيد فإن هذه الحرائق التي يفتعلونها ستحرقهم في النهاية. وستبقى الشعوب هي المنتصرة دائماً وإن أصابها بعض الانتكاسات. هكذا علّمنا التاريخ.

to top