الثلاثاء 30 نوفمبر 2021
القاهرة °C

أورفا، رمز القدسية واللعنة

محمد أرسلان علي

 

بهذا الشكل ربما يمكننا استيعاب حركة سيدنا ابراهيم تجاه نماردة عصره، الذين أرادوا فرض ذواتهم على عموم الشعب على أنهم يمثلون الرب على الأرض. وهذا الأمر أدى إلى أن ظهرت الكثير من التمردات الصغيرة، التي لم تتقبل هذه الحالة التي تُمكّن الملوك من سرقة القداسة من أصحابها الحقيقيين ونسبها لأنفسهم على أنهم هم مَن يمتلكون الحقيقة المطلقة. هذا الانقلاب قاده الجشعون واللصوص تحت مسمى الميثيولوجيا وتغليفها بالكثير من الأدعية الدينية واستخدام العنف في كثير من الأحيان، كي يقبلها الجميع من دون استثناء.

ما قام به سيدنا ابراهيم كان إعادة محاولة انتزاع هذا الوهم والرياء من أصحاب السلطة والملوك، بعد أن عرَّاهم بحججه ويقينه. وكأنَّ ابراهيم يريد أن يقول لنا أنه مقاومته تلك لم تكن سوى صراع ضد اللعنة التي حلَّت على المجتمع، جرَّاء تسلط هؤلاء الملوك الآلهة على المجتمع، وشيطنة كل مَن لا يتعبدهم. ما سعى سيدنا ابراهيم إلى أن يقوله أيضاً عبر حواره مع أبيه وقبيلته وبعد ذلك أمام الملأ ونمرود، هو أنهم لا يمثلون إلا اللعنة بكل معنى الكلمة، وإن كانوا ألبسوها ألف ثوب وثوب من الطقوس والشعائر الدينية، وأن القداسة ما هي إلا عودة الانسان إلى طبيعته وارتباطه مع الطبيعة، وذلك عبر اخلاق المجتمع تحديداً.

وهذا ما يحتّم علينا معرفة القوة الكامنة، أو من أين استمّد سيدنا ابراهيم هذا اليقين، وما تأثير مدينة أورفا وسهل حرّان على تقاليده تلك؟ لأن اليقين والشك صفتان متلازمتان ومرتبطتان بالتقاليد المجتمعية، التي تؤثر على الانسان حال فك رموزها ومعرفة ماهيتها. لا يمكننا دراسة ظاهرة سيدنا ابراهيم مقتصرةً على شخصه فقط، كأن نقول أنه ولد في فلان عام واسم ابيه كذا وأمه كانت فلانه. فبهذه المقاربات لن نستطيع فك لغز تقاليد النبوة التي مثلها سيدنا ابراهيم خلال ثورته على نمرود. بل ينبغي أن نُقِرّ بأن هذه التقاليد هي ثقافة مجتمعية متراكمة في هذه المنطقة منذ آلاف السنين، وأنها أثرت على شخصيته لأنه كان حاملاً لها، فعَبَّرَ من خلالها عن صرخات مئات الآلاف من الناس، الذين كانوا يئنون تحت وطأة ظلم واستبداد الملوك الآلهة.

وهذا يحتّم علينا العودة لدراسة التاريخ الثقافي المتراكم ذاك، ومن أين استمد الإرادة لمحاربة اللعنة التي تم إصباغها بمئات المصطلحات الدينية لإقناع الشعب على أنها مُنَزّلة من السماء. حقيقة يتم تداولها الآن وهي أن التأريخ بدأ من سومر. هذا صحيح لأنه في هذه المرحلة من بناء المدن والمستوطنات على ضفاف نهري دجلة والفرات، وزيادة الانتاج، وبناء المعابد، قد تطورت معها اللغة والكتابة أيضاً، وإن بشكلها البدئي. هذه الرُّقم واللُّقى التي عُثِر عليها وفُكَّ لغزها، تثبت أن تاريخ التدوين قد بدأ من سومر بالذات، ومنها انتقلت إلى الأطراف.

تاريخ التدوين بدأ من سومر. هذا ما تزودنا به تلك الرُقم. ولكن هذا لا يعني أن تاريخ الانسان أيضاً قد بدأ في تلك اللحظة. بل إن الانسان كان موجوداً قبل التدوين بمئات الآلاف من السنين، وعاش المرحلة المشاعية النيولوتية على حواف جبال زاغروس وطوروس لفترة طويلة جدا من دون تدوين ذاك التاريخ، لأنه كان تاريخاً شفوياً بمعظمه ورمزياً على أقلِ تقدير.

تشير البحوث العلمية الأخيرة إلى أن أفضل الظروف الجغرافية تشكلت في هذه الأماكن من أجل تدجين الحيوانات وإنجاز الثورة الزراعية لأول مرة. هكذا تشكلت ثقافة غنية على صعيد تنوع النباتات المفيدة والحيوانات المدجنة. كما إن مناخَها مناسبٌ للريِّ الطبيعي. وقد خَوَّلَتها ظروفها هذه لأن تَغدو الساحةَ التي تجمعت فيها نماذج الإنسان الأول في مراحل باكرة جداً، لتشهد من حينها جمع الثمار وصيد الحيوانات.

يُلاحَظُ أنّ أَقدَمَ نظامٍ للاستقرار قد تحقَّقَ في منطقة أورفا. إذ يمتد تاريخ أُولى أماكن الاستقرار المُوَثَّقة في كلٍّ من “نوالا جوري” و”غوباكلي تبه” إلى أعوام 11000 ق.م. كما تم إثباتُ أن أول الأماكن التي شَهدَت بناء المعابد كانت في هذه الأراضي. وسوف نتكلم أكثر عن هذه الأماكن لاحقاً، لأنها كانت من أول المعابد التي بناها الانسان في التاريخ.

تُعَدّ وفرة الإنتاج الغذائي، والتزايد السكاني، وتَطوُّر أماكن السكن والاستقرار من أكثر الجوانب اللافتة للنظر في تاريخ هذه المنطقة. فقد تجذرت ثقافة الزراعة النيوليتية فيها لدرجة أنها ما تزال تؤثر في ذهنية الإنسان وسلوكياته الأساسية. إذ سادت ثقافة المجتمع الأمومي هناك لفترة طويلة، وتطورت الزراعة وتدجين الحيوانات كنشاط أساسي متمحور حول المرأة. زد على ذلك أن الحياة المستقرة كانت ضرورية للمرأة بالأكثر. فإنجاب وتربية الأطفال وبروز ثقافة الحقول والمرابي والحظائر استوجَبَ الاستقرار أكثر.

وقد أعلَت هذه الظروف من دور المرأة، وأسفرت عن تَشكل ثقافة الإلهة الأم. لهذا السببِ تحديداً اتّخَذَت أُولى الرموز الإلهية شكلَ المرأة، وليس الرجل، وطَغَت الصبغةُ الأنثوية على بنية اللغة. هذا وتَرجعُ الإلهات اللواتي رُمِزَ إليهن بالنجوم وأُطلِقَ عليهن اسم “ستار Star” إلى تلك الحقبة (كلمة ستار مشتقة من إستارك Istark وستيرك Stêrk، وهي تعني “النجمة” والتي تحولت فيما بعد إلى “عشتار”). كما تأسس حينذاك أول المعابد في القرى، إذ ثَبُت ذلك من خلال اللُّقى الأثرية الموجودة.

تُعَدّ منطقة أورفا من أكبر مراكز هذه الثورة. فظروفها المُثلى لأجل الزراعة وتربية الحيوانات منذ الألف العاشر قبل الميلاد، جعلتها مهد العصر النيوليتي طيلة عصور تاريخية مديدة. وتدل مئات المرتفعات الترابية والكهوف المجاورة للمياه على مدى رسوخ الاستقرار السكني وانتشاره آنذاك بنظامٍ لا يمكن مصادفته في أية بقعة أخرى من العالم. وعليه، يمكن القول أن أورفا وجوارها كانت مراكز العصر النيوليتي طيلة عشرة آلاف سنة. فكيفما تُعَدّ أوروبا مركز العصر الرأسمالي الراهن منذ خمسمئة سنة، فإن عَيشَ البشرية لأطول عصور الاستقرار في تلك المناطق قد تَرَكَ آثاراً لم يَكُن ممكناً محوها في تاريخها اللاحق أيضاً.

وما تاريخ سومر ومصر إلا امتداد طبيعي لذاك التاريخ. ذلك أن البشرية التي اكتسبَت في تلك المناطق تجارب غنية بشأن حياة الاستقرار والزراعة وتربية الحيوان بكل تقنياتها وعلومها، وبأيديولوجيتها وقوتها الإدارية، انحدرَت فيما بعد نحو الأسفل، أي نحو ضفاف الأنهار والأراضي الرسوبية المعطاء. وقد أثبتت البقايا الأثرية المُكتَشَفة لاحقاً بنحوٍ أفضل أن الثقافة المنتقلة إلى مصر وسومر ترجع في أصولها إلى تلك المناطق. وبطبيعة الحال، فمن غير الممكن أن تتحقق الثورة الزراعية في الصحراء العربية أو الإفريقية. فضلاً عن أن الأراضي الرسوبية على ضفاف الأنهار تفتقر إلى الثروة الزراعية والحيوانية التي تُخَوِّلها لتمكينِ الاستقرار الأول. يوضح هذا الواقع تماماً أسباب بدء التاريخ في الحوض الأعلى لما بين النهرين، وبالأخص في منطقة أورفا وجوارها.

وأنْ تَكونَ منطقةُ أورفا مركزَ تلك الحقبة، فإنّ هذا يُحتِّم شرح بعض المصطلحات من قبيل: التاريخ، القدسية واللعنة. فإذا تَمَكَّنّا من تحليل هذه المصطلحات بنحو سديد، فسنَصِل حينها إلى التنوير الذهني، الذي ينبغي أن يُشَكِّل الأرضيةَ لإنجاز النهضة الشرق أوسطية. ومثلما بَيَّنّا أعلاه، فإن التاريخ يبدأ من سومر ومصر. إلا أنه بدأ هناك بعد الثورة الزراعية المتحققة في أورفا وجوارها. إذ إنه، وبعد أنْ تشكلت هذه المراكز الحضارية، شهدت الطرق والقوافل بين هذه المنطقة وتلك المراكز المدينية بدايةَ النشاط كأُولى الإشارات على ظهور الحضارة.

انتشرت كل هذه التقنيات والأفكار الممهِّدة للحضارة عبر هذه الطرق إلى بلاد سومر ومصر، ثم رويداً رويداً إلى الشمال والشرق والغرب. وإذا اعتمدنا أعوامَ الألف العاشر قبل الميلاد على وجهِ التقريبِ معياراً، فإن كل البراهين التاريخية تشير إلى انتشار ظاهرة الاستقرار من هذه المنطقة نحو الجهات الأربعة في العالم على فترات تتراوح بين الألف والألفَي عام. إذ تبدأ أُولى أمارات الحضارتَين السومرية والمصرية بالبروز بعد حوالي ألفَي عام من بدء تلك الحقبة، التي بدأت في الألف السادس قبل الميلاد وأُطلِقَت عليها تسميةُ “ثقافة تل حلف”، والتي تُعَدُّ العصرَ الزراعي المتميزَ بأَوجِ النضوج والتمأسُس. بمعنى آخر، فإن أعوام 4000-3000 ق.م هي أعوام ولادة سومر ثم مصر. أي أن جميع القيم والثقافات الحضارية انتقلت إليهما من ميزوبوتاميا العليا، أي من القوس الداخلي لسلسلة جبال طوروس وزاغروس.

في هذا الصدد يوضح السيد عبد الله أوجلان ما توصل له في هذا الأمر قائلاً: (التاريخ مخفي في بداياته. بالتالي، فالذين يعجزون عن تحليل بداياتهم، فإن معرفتهم التاريخية تُشَكّل أرضية الجهل الذي يتسبب بكل الكوارث. ذلك أنه لا يمكن غض الطرف عن حقيقةِ أنْ يَكونَ مكانٌ ما “مهدَ البشرية”. فهل من إنسان يمكنه الزعم قائلاً: “إني لَم أترعرع في المهد”؟ وما دام هذا مستحيل، فإننا لن نستطيعَ فهم قيمةِ البشرية وحقيقتها، من دون إدراك حقيقة “المهد” وإيفائها حقَّها. فكيف لكَ أن تدّعي أنّ “هذا ليس ماضيَّ أنا”، بعد أن رَعَتْكَ ورَبَّتْكَ هذه الأم في المهد لآلاف السنين؟! فإذا قلتَ: “أنا ثمرةُ المجتمع الطبقي المتشكل في المدن، وحسبي هذا”، فإنّ تاريخك لا يدل حينها على تاريخ البشرية، بل على التاريخ الطبقي).

وعليه لا يمكننا النظر إلى أورفا على أنها مدينة عادية فحسب. بل كانت بكل تأكيد كناية عن المهد بالنسبة للبشرية التي ترعرعت فيه ونضجت. فمرحلة المهد ليست مجرد فترة البكاء وطلب الحليب. بل هي المرحلة التي تشهد بدايةَ تَشكُّل اللغة والفكر، وبدايةَ المسير، وبدايةَ التعرف على الطبيعة والمجتمع. إنها المرحلة التي تشكَّلت فيها البشرية وتعرَّفَت على الحياة بكل صفائها وبَساطتها، دون اللجوء إلى القمع أو الاستغلال أو اللصوصية، بل اعتماداً -فقط وفقط- على الكدح. من المؤكد أن التاريخ بدأ بهذا الشكل في أراضينا، وأن هذا هو مضمونه.

أما تاريخ الطبقات التي ظهرت مع بدايات تشكل المدن، فقد دُوِّن بعد ذلك. كذلك أمر تدوينِ التواريخ باسمِ الشخصيات المهمة والسلالات الحاكمة والهويات الإلهية التي ظهرت نتيجة صراع الآلهة مع بعضها بعضاً على تقاسم النفوذ والسيطرة على المدن، وعلى كدح الانسان وجهده. وهي ذاتُها التواريخُ التي سادَ فيها الرياء والكذب على حساب الحقيقة. بالتالي، واحتراماً منا للتاريخ الحقيقي، فإن عدم الإيمان بتلك التواريخ هو الأصح.

لدى الحديث عن أورفا، فإن “القدسية” هي المصطلح الرئيسي الآخر الذي علينا تحليله. فما هي القدسية؟ وكيف بدأت روابطُها مع هذا المكان؟ سيَكون السومريون مرجعاً لنا في هذا الشأن أيضاً. فمُفردة “القدسية” في اللغة السومرية مشتقةٌ من كلمة “كاوتا Kauta”، وهي مرادفة لمعنى ” قوت، الغذاء”، الذي يدل على كلّ شيء مفيد يأتي من النبات والحيوان. وعليه، لطالما كان “الغذاء، القوت” محلّ تبجيل وافتتان في بداية البشرية، لأنها به تستطيع الاستمرار في حياتها.

وبما أنه ما من شيء أثمن من الحياة، فبالتالي، ما من شيء أثمن من الغذاء الذي يُؤَمِّن سيرورة الحياة. وكلُّ شيء ثمين بالنسبة للبشرية جمعاء، يتم السمو به وتبجيله وتأليهه، أي تقديسه. بمعنى آخر، فالقدسية هي الهوية التي ترمز إلى أهم الأشياء والمواد التي تَمَكِّنُ سيرورةَ البشرية. وبما أن “الغذاء” هو أثمن مادة لأجل سيرورة البشرية، فمن المفهوم تماماً النظر إليه على أنه القداسة بعينِها. وفي هذا الشأن أيضاً نجد أنّ الدُّهاة السومريين أدركوا ماهية الأمر تماماً، وأطلقوا عليه الاسم بموجب ذلك.

هذا ما يعني أن الغذاء والخيرات تنبثق من كل مكان في المنطقة. ما يتسترُ هنا هو نوعٌ من تاريخ الخير والبركة. إنه تاريخ مخفي. لكنه، وبسبب أهميته العظمى، يترك في ذاكرة المجتمع آثاراً لا يمكن محوها، ويستحيل بالتالي نسيانه. بمعنى آخر، فإن تاريخ الخيرات هو جوهر مصطلح “أورفا المقدسة”. ذلك أن البشرية جمعاء (وليس سكان المنطقة فحسب) اقتاتت، وما تزال تقتات من هذه الخيرات. فمَن منا يمكنه أن يستغني اليوم عن القمح والشعير والذرة والعدس والعنب والتين وغيرها من قائمة خيراتنا اللامحدودة؟ هذه هي الخيرات والغِلال التي عَدَّها السومريون مقدسة، فقاموا بتأليهها واحتفَوا بها. إنها التواريخ المخفية.

ما الذي يكمن خلف “الغذاء”؟ إنه الكدح، كدح الأم والمرأة. فهي خالقتُه ومكتشفتُه وراعيتُه. ومَن يدري مدى السعادة والغبطة التي شعرت بها الأم عندما جمعت أولى سنابل القمح التي زرعَتها! كيف لا وهي تدرك أن البشرية لن تستمر إلا بها! وهل ثمة عمل أو نشاط أثمن من ذلك؟ هل يمكن للحروب وظواهر التعذيب أن تَجِد لها مكاناً هنا؟ فتلك الأم لا تهتم سوى بالإنتاج، ولا تعرف شيئاً سواه، وبه تُمَكِّنُ سيرورةَ الإنسانية. بل وهكذا تُدرك ماهيةَ الإنسانية. هذا هو معنى إنسانيةِ الأمِّ وإنسانيةِ المرأة. إنها رؤية إنسانية تعني في الوقت ذاته “الإنسانيةَ المقدسة”.

يبين السيد عبد الله أوجلان رأيه بكل وضوح في هذه النقطة الهامة حول محاولة سيدنا ابراهيم الوقوفَ أمام تقاليد السلطة الملعونة في أورفا، فيقول: (إن موقف سيدنا إبراهيم -الذي يُعرَفُ بانتمائه إلى أورفا- تجاه هذه الكذبة الشنيعة، هو موقف ثمينٌ ويتضمن القدسية الحقيقية. إذ يقول: “لا يمكن لهذه الأصنام أن تَكون آلهة. فأكبرها هو أكثرها جموداً”. وعندما رفض نمرود هذه الفكرة، ردَّ عليه سيدنا إبراهيم: “إذاً، لستُ أنا مَن حطَّم الأصنام. بل إن الصنمَ الأكبر هو الذي حطَّمَها جميعاً”. وبقوله هذا يُوقِعُ نمرود في الفخ. من الواضح أن الصراع هنا هو صراع أيديولوجي. إذ ثمة صراع بين نظامِ آلهةِ الشعب وبين نظام آلهةِ النماردة، أي أسياد العبيد. فالإلهُ الأوحدُ لسيدنا إبراهيم يُعبِّر عن وجود الشعب ووحدة صفه. أو بالأحرى، إنه يُعَبِّر عن حقيقة وجودِ ووحدةِ القبائل. أما إنقاذُ الإله من الوثنية، فهو موقف صارمٌ تجاه قوة الكذب العلني).

إن اختيارَ مصطلحِ الإله الأوحد المجردِ والشامل في تلك المرحلة، يُشَكِّلُ رؤيةً تبعث على التأمل العميق، وتحثُّ على رص الصفوف والتقدم. لأن ما قام به سيدنا ابراهيم كان بالفعل ثورة فكرية كبيرة لقلب التقاليد والأعراف التي كانوا يتعبدون من خلالها آلهتهم وأصنامهم. أي أن ابراهيم لاقى صعوبات جمَّة في اقناع الشعب للتخلي عن الآلهة المادية والملوسة والانتقال إلى الايمان بالله المجرد غير الملموس. وكذلك بخصوص نقل الإله من أمامهم ومن بيوتهم ومعابدهم على الأرض إلى السماء البعيدة.

إن هذه القدسية هي وقفةٌ أقرب إلى الحقيقة في صراع الآلهة. وعليه، فما يكمن وراء استذكارِ أورفا (وطن الأنبياء) بهذا الشكل حتى يومنا، هو قدسيةُ الخيرات والكدح، بل ونَعتُهما بصفةِ “المقدس” تحديداً. فـ”أورفا المقدسة” تعني أورفا المرتبطةَ بالنظام الغذائي الزراعي، والمعتمدةَ على الكدح، والمرتكزةَ إلى تقديس وتأليه ثمار الكدح. أما سببُ تسميتِها بـ”وطن الأنبياء”، فيَعودُ إلى كونِها مركزَ الأنبياء والرُّسُل، الذين مَثَّلوا النظام الإلهي للشعب المتمرد على نظام آلهة نمرود، الذي تهجَّم على مقدسات المنطقةِ عبر آلهته الطبقية الكاذبة. هكذا كان التاريخ والقدسيةُ في منطقة أورفا.

بالمقابل، فإن “اللعنة” هي المصطلح المهم الآخر الذي ينبغي شرحه وتحليله. فماذا تعني مفردة “اللعنة”؟ إنها اصطلاح أساسيٌّ ومفتاح. بمعنى آخر، فإن تحليل أورفا مرتبطٌ عن كثب بتحليل اللعنة.

تُطلَق تسميةُ اللعنة على كل ما يُفسِد أو يُشوِّه التاريخ الصحيح والقداسة. أي أنها تعني هجوم الكذابين والظالمين. فمع بدء هجوم اللصوص والمتعجرفين على الكدح والكادحين، تَكونُ مرحلةُ اللعنة قد بدأت. بمعنى آخر، تُطلَقُ صفةُ “اللعنة” على شتى الاعتداءات التي تستهدفُ كل ثمار الكدح والقرى والمدن والحقول والمعابد. يرتبطُ هذا الوضعُ ارتباطاً وثيقاً بالانتقال إلى المجتمع الطبقي. وبمعنى من المعاني فهو يعني الانتقال من المجتمع الأمومي نحو المجتمع البطريركي الأبوي.

بهذا الشكل أصبحت أورفا مركزاً للحركات النبوية في القرن الثامن عشر قبل الميلاد. نخصُّ بالذّكر التقاليدَ النبوية المقدسة التي تُمَثِّل مقاومة القبائل المحلية ضد المُلوكِ ذوي الأصول الآشورية (والذين عُرِفوا بلقبِ “نمرود”) والذين كانوا يمثلون التقاليد السلطوية اللعينة، والتي ابتدأَت عهداً تاريخياً مع سيدنا إبراهيم. إن تلك التقاليد تُمَثِّل من حيث المضمون تقاليدَ مقاومةِ الشعوب والقبائل المتطلعة إلى الحفاظ على حريتها في مواجهةِ النظام العبودي.

أما التحول الأيديولوجي المتجسد في الانتقال من الطوطمية القَبَلية نحو عبادةِ الإله الواحد، فيتأثر بالميثولوجيا السومرية، ويتحول تدريجياً إلى الأديان التوحيدية. في هذا الصدد كان إيميل دوركايم (1858 – 1917) أول مَن اكتشف الدين الطوطمي وما يوازيه من التنظيم الاجتماعي وهو العشيرة، ورأى ان القوى الدينية هي القوة الجمعية والمجهولة للعشيرة.

أما سبب عَدّ الطوطم مُقدَّساً، فيرجع إلى أنه يمثل رمزاً للجماعة نفسها. فهو يُجَسد القيّم المِحوَرية في حَياةِ الجماعة أو المُجتمع. وما مشاعر الإجلال والإكبار التي يَحملها أفراد الجماعة إزاء الطوطم إلا تعبير عن احترامهم للقيم الاجتماعية الأساسية السائدة بينهم. إن موضوع العبادة هو المجتمع نفسه، والذي يسعى إلى أن يؤكد ذاته بذاته، ويرسخ شرعيته وقيمه. ومن هنا فإننا نستنتج أن الالهة هي صورة للمجتمع، وليس المجتمع صورةً للآلهة؛ وأن الديانات لا تنحصر في المعتقدات فحسب، بل وتتجاوزها لتشتمل على مجموعة من الأنشطة الطقوسية والاحتفالية الدورية التي يتجمع فيها المؤمنون ويلتقون معًا.

ويؤدي الانفعال الجمعي دوراً مهماً في التحولات الاجتماعية الكبرى. إذ يولد الدين داخل بيئة الانفعال الجمعي، وقد يتراجع فيها أيضاً. ورأى دوركايم أن (المقدس رمز قبل أي شيء. والدين هو مجموعة من الرموز والأفعال والمعتقدات المتعلقة بها: أي المنفصلة عن عالم الناس، لكنها من جانب آخر توحد الناس في جماعة).

to top