الجمعة 3 ديسمبر 2021
القاهرة °C

إشكاليات الدولة والمجتمع و«تسطيح المنحنى» والكورونا

د. جهاد عودة

معضلة مرض الكورونا في ضوء عدم وجود لقاح للوقاية والعلاج، وصار مرضًا فى مزدوج الارتباط: أولها قدرة النظام الصحي في  التعامل مع متغيرات المرض، وثانيها قدرة النظام الاجتماعي على عدم خلق مرضى بهذا المرض. وبالنسبة لمتغيرات النظام الصحي يتم تمثيل له على منحنى وبائى ، بمعنى ان المنحنى يكون فى وضع التسوية أي غير مرتفع عندما يكون النظام الصحي لا يعانى من ارهاق مؤسسي .

ومن ناحيه ثانيه فمتغيرات النظام الاجتماعي  يتم التمثيل لها بمنحى مجتمعي ، بمعنى ان المنحنى يكون فى وضع التسطيح أي لا يكون مرتفعا عندما يشاهد في المجتمع سلوكيات التباعد الاجتماعي والاعتزال الذاتي المتكرر، بهذا يكون الوضع الامثل  للمؤسسات الصحية عندما يكون المنحنى في وضع التسوية، ويكون الوضع الامثل للمؤسسات الاجتماعية والسلوكية عندما يكون المنحنى في وضع التسطيح. عندما يكون المنحنيان  في وضعي التسوية والتسطيح معا ولا مفارقه بينهما تكون الدولة قد برأت تماما من المرض لمدة طويلة.   بالتالى تصبح الاستراتيجية العامة خلق تسطيح للمنحنى بتدابير مثل الإبعاد الاجتماعي وأوامر البقاء في المنزل التى تقلل وتؤخر ذروة الحالات النشطة، مما يتيح المزيد من الوقت لزيادة قدرة الرعاية الصحية والتعامل بشكل أفضل مع  المريض. علما أن تسوية منحنى يكون مؤشرا على  قدرة النظام الصحي على رفع خط  قدرة الرعاية الصحية لتلبية الطلب المتزايد أثناء الوباء، يمكن أن ينهار نظام الرعاية الصحية عندما يتجاوز عدد الأشخاص المصابين قدرة نظام الرعاية الصحية على العناية بهم. وهناك علاقه تبادلية بين المنحنيين، حيث إن تسطيح المنحنى يعني إبطاء انتشار الوباء من خلال تقنيات الابتعاد الاجتماعي الامر الذى يسمح  بتقليل العدد الأقصى للأشخاص الذين يحتاجون إلى رعاية في كل مرة، بالتالي، ولا يتجاوز نظام الرعاية الصحية قدرته على الوصول لتسوية المنحى.

في قول اخر هناك عمليتان اولاهما تسويه المنحنى الوبائى، والثانية هي تسطيح  المنحى  المجتمعي وهو المستهدف النهائي. حيث يمكن للفرد المريض أن يخضع لبروتوكول العلاج وبالتالي يتم تسويه المنحنى  الخاص بمرضه ولكن بسبب استمراره في  السلوك الاجتماعي المتمثل في عدم التباعد والاستمرار في البقاء بالمنزل لا خروج المريض من حاله الكورونا.  هما عمليتان  متكاملتان فى نفس الوقت: الاولى طبيه والثانية اجتماعية.  او فى قول ثالث إذا كان الفرد يأخذ نفسه بالشده منذ البداية ويطبق التباعد  الاجتماعي فهو من الأرجح الأعم سيتجنب  المرحلة الطبية.   علما  ان تسوية المنحنى والذى يعنى  زيادة قدرة الرعاية الصحية  يتطلب  “رفع  خط الأداء الصحي”.

وتسوية المنحنى تتطلب عمليتين فرعيتين : اولاهما ، عدم ارهاق النظام الصحي وتعزيز نظام المستشفى لمعالجه عدد كبير من المرضى  وخلق تدابير  رئيسية تتمثل في زيادة الأعداد المتاحة من أسرّة العناية المركزة وأجهزة التهوية ،  وثانيهما ، تطبيق ناجع لبروتوكول الوقاية والعلاج.   فى هذا السياق  يمكن رفع قدرة الرعاية الصحية من خلال رفع كفاءة المعدات والموظفين وتوفير فنيات كالطب عن بعد والرعاية المنزلية والتعليم الصحي للجمهور وتوفير  ادوات الحماية الشخصية وأقنعه الوجه. بشكل عام  وعلى المستوى الدولي صدرت  تحذيرات بشأن مخاطر الأوبئة بشكل متكرر طوال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وعام 2010 من قبل المنظمات الدولية الرئيسية بما في ذلك منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي ، خاصة بعد تفشي السارس في 2002-2004 . بما في ذلك تلك الموجودة في الولايات المتحدة و فرنسا ، سواء قبل و باء انفلونزا الخنازير 2009 ، وخلال العقد التالي، سواء تعزيز قدرات الرعاية الصحية. في وقت تفشي وباء COVID-19 ، كانت أنظمة الرعاية الصحية في العديد من البلدان تعمل بالقرب من قدراتها القصوى.

علما بأن  النموذج  والذى قد يأخذ شكل المنحنى وليس فقط نموذجا تقريبيا ولكن أولها  يركز على متغيرات يرى صانع النموذج انها الاهم فى التحليل والمعتبرة للناتج النهائي.  ويتم تصميم النماذج وفق  المقتضيات التاليه:

تم بناء العديد من النماذج لشرح ظاهرة معينة ، مجردة من “فوضى” العالم الحقيقي أو رسم رؤى يمكن استخدامها في السيناريوهات المستقبلية. على سبيل المثال ، يمكن أن يساعد بناء نماذج لفهم معدل تكاثر حالات تفشي الأمراض المعدية السابقة مثل الإيبولا وأنفلونزا الطيور على تطوير التدخلات. إن معرفة كيفية انتشار السارس (متلازمة الجهاز التنفسي الحادة الوخيمة) في عدة دول في عام 2003 يمكن أن يوفر أدلة مفيدة حول    COVID-19 أو SARS-CoV-2 .وكان منطق المجتمع الحديث يقول انه كلما اختلط وتفاعل  المواطن في جماعته او صناعته او مهنته او وطنه كان اجتماعيا مرغوبا فيه ، ولكن الان اختلف الوضع وصار  سلوكه التفاعلي  سببا للإصابة بالمرض والذى قد يؤدى الى الوفاه.  الامر الذى يرشح ان يقلب منطق التفاعل  المجتمعي رأسا على عقب.  ويطرح نماذج مختلفة وهياكل التفاعل بين قوى الدولة وقوى المجتمع.  وتصير الإشكالية الكبرى في المجتمع الضعيف تكنولوجيا.  ربما هي المرة الاولى في مصر التي يتم ربط المتغيرات السكانية بمتغيرات الدولة والمجتمع في سياق وفهم مشترك.

هنا نطرح فكرة “منطق  السياسات العامة لمنصف الطريق”. ويقصد بهذا ان  الدولة المصرية منذ  1952 تم تغيير السياسات العامة فيها بشكل كبير من اليسار لليمين ثم عودة الى يسار الوسط ثم الى  يمين الوسط   الامر الذى افقد السياسات العامة تماسكها في شكلها العام توجهها الأيديولوجي.  بالتالي ان السياسات العامة لمنصف الطريق لا تفضل الحسم المجتمعي العام  بل وتصنع مزاج عام متوائم عند حده الادنى  ولكن الراغب في الوقوف   لمسافه واحده من حيث المبدأ تجاه  تناقضات الدولة والمجتمع.  السياسات العامة في هذا السياق ذات  انحيازات مؤقته لتتلاءم مع  المصالح  للقوى  المهينة في الدولة والمجتمع  دون ان تكون هذه  الانحيازات ذات طبيعة  حاسمة.

وتواجه سياسات منتصف الطريق معضلة في المستقبل القريب وتتمثل فيما  قاله المستشار الصحي بالبيت الأبيض، الدكتور أنتوني فوسي ، إن الموجة الثانية من تفشي الفيروس التاجي في الولايات المتحدة ”يمكن أن تحدث” لكنها ”لا مفر منها”. وقد طرح معضله كبيره امام النظم العامة والسياسية التي ترتاح لسياسات منتصف الطريق.  حيث حذر فوسي ، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية وعضو فرقة عمل الرئيس دونالد ترامب للفيروسات التاجية ، من أن الأمريكيين بحاجة إلى الاستعداد لاحتمال حدوث موجة ثانية من الفيروس التاجي في الخريف ، والتي يمكن أن تستمر جنبًا إلى جنب مع موسم الانفلونزا. علما ان منظمة الصحة العالمية  علقت مؤقتًا تجربتها على هيدروكسي كلوروكوين – دواء ترامب – بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة.

الخروج من منطق سياسات منتصف الطريق يتطلب  استعارة بعض سياسات  “الحسم الرأسمالي”   الموجودة في الرأسماليات الناضجة . والمقصود هنا نأخذ تجربة المرض كفرصه للقضاء  كافه النتوءات العشوائية واعادة تكوين المحيات كرافعه لبناء الدولة الحديثة. المشكلة الكبرى تتمثل  في الطبيعة العشوائية  لكثير من الرأسماليين المصريين وخاصه الفئات الصغرى والوسطى منها، وعدم النزوع الحداثي للبيروقراطيين وتحالفاتهم الاجتماعية السلفية  والحاسبات المعقدة للعلاقات الخارجية.

to top