الخميس 2 ديسمبر 2021
القاهرة °C

الشبه الكبير ما بين (عمى) خوسيه سارماغو و(الكورونا) التي تفتك بالبشر

سيهانوك ديبو

ترى ما الذي دفع بشخص مؤمن باللا سلطوية طريقاً لحرية البشرية وانهاء الظلم مثل خوسيه ساراماغو فيطلق روايته (العمى) 1995؟ رواية العمي التي تتحدث مجرياتها عن وباء غير مفهوم يجتاح البشرية فيصب الجميع بعمى أبيض، دون أن يفرق الوباء بين طبقة عليا وأخرى دنيا، الجميع فيها عميان؛ وحدها بطلة الرواية زوجة الطبيب تبقى معافاة وترى بين كل الناس. وجراء ذلك ينهار النظام الاجتماعي والمالي من خلال انهيار سريع للمنظومة الصحية. أحداث العام 1995وما قبلها لا تختلف كثيراً عما تمر بها البشرية اليوم. السوفييت المنهار وروسيا التي كانت وقتها جُلّ ما تحتاجه أن لا تتداعى أكثر، أزمة في جورجيا وأخرى مستعصية في مكونات يوغسلافيا الجغرافية السابقة، والوضع نفسه في أكثر من بلد أفريقي. الملفت في الرواية كأنها كتبت أو كأنها تصلح إلى درجة مرعبة لما يحدث اليوم ونحن ندخل الشهر الرابع من ظهور الكورونا كوباء وجائحة هذه اللحظات؛ بما نشهده من أحداث واضطرابات في الشرق الأوسط والعالم.
ثلاث عشر من المواقف تحدث عنها خوسيه ساراماغو بتعليل فكري معرفي سياسي تصيب حينما نتخذها سنداً تحليلياً في جائحة الكورونا أيضاً؛ بالرغم من فتك هذه الجائحة:

1- الوباء أشبه بسهم أطلق في الهواء. ولدى وصوله إلى مداه الأقصى سيتوقف لحظة وكأنه علّق في الهواء، ومن ثم يبدأ سقوطه الحتمي رويداً رويدا.
2- كان العمى ينتشر، لا كالمد الذي يحتاج كل شيء أمامه، بل كتسلل غادر لألف جدول وجدول هائج تغرق الأرض بروية، تغمرها كلياً، على حين غرة.
3- من الحجر الصحي، بعد انهيار المنظومة الصحية، واجب العائلات في حجز عميانهم، داخل المنازل وعدم السماح بالخروج إلى الشوارع.
4- من الخطأ توقع أي استجابة أخرى من شخص يحمل أفكاراً مسبقة عن الأمر.
5- كنا عمياناً تماماً وفي اللحظة التي عمينا فيها أعمانا الخوف، وسوف يبقينا الخوف عمياناً.
6- أي زمن هذا الذي نعيش فيه؟ زمن نرى فيه انقلاب نظام الأِشياء، فالإمارة التي طالما كانت دليل موت أصبحت إمارة حياة.
7- إن الضرورة هي السلاح الأمضى.
8- عندما تهزم الضرورة الخوف.
9- عندما تواجه الطبيعة البشرية الموت يتوقع منها أن يتلاشى حقدها وسمّها. رغم أن ذلك صحيح سوى الناس يؤكدون أيضاً بأن الأحقاد القديمة لا تموت بسهولة، والأمثلة كثيرة في الأدب وفي الحياة الحقيقية.
10- إن الافتراض الواعي لازدياد المسؤولية، وربما لافتراض عدم تجاهلها، والخوف من احتمال حدوث اضطرابات أكثر، هذه كلها مجتمعة دفعت السلطات إلى تغيير اجراءاتها.
11- إن الحالة العقلية الضرورية لإقرار سلوك اجتماعي من هذه الطبيعة بحكم الظروف، لا يمكن أن ترتجل ولا أن تظهر عفوياً. وإن كنا غير قادرين على العيش ككائنات بشرية، فدعونا على الأقل نفعل كل ما وسعنا كي لا نعيش كالحيوانات تماماً.
12- حينما دخل إلى إحدى الكنائس لتجد زوجة الطبيب التي لم تعمي بأن الصور والتماثيل باتت معصوبة. ربما أعتقد أنه ما دام العميان لا يستطيعون رؤية الصور فيجب ألا تكون الصور قادرة على رؤية العميان بالمقابل، إن الصور لا ترى؛ أنت مخطئ، إن الصور ترى بأعين من ينظرون إليها.
13- لا أعتقد أننا عمينا، فربما نكتشف الجوانب ذات يوم. لا أعتقد بأننا عمينا، بل أعتقد أننا عميان يرون، بشر عميان يستطيعون أن يروا، لكنهم لا يرون.

هذا الوباء سينتهي بالقدر الذي بدأ فيه. لكن من الضرورة أن تكون بداية الخلاص من الكورونا نفسها بداية لنظام مجتمعي جديد أكثر أمنا. ربما من المبكر الحديث عن النتائج؛ لكن الأسباب تبدو اليوم أشد وضوحاً، وهذا ربما سيكون بالأفضل كثيراً مقارنة بالنتائج التي تأتي أو ربما قد تكون بالجاهزة هي أيضاً. فأن نعلم ما هي الأسباب، نتعلم منها، لن تغدو فقط الحصول على أفضل النتائج المرجوة وحسب إنما أشبه بشروق الشمس الجديدة.

to top