الخميس 2 ديسمبر 2021
القاهرة °C

الضفائر الوجدانية

الحدث – القاهرة – بقلم المفكر المصري الكبير دكتور محمد سعيد

من الدعائم القوية التي يقوم عليها البناء الحضاري للإنسان والأمة: الأسرة والوطن والدين، ولو قُدّر أنْ نُزع عن الإنسان ما يُبثّ في وجدانه من قيم الأسرة وقواعد الوطنية وتعاليم الدين؛ لنزع عن الإنسان إنسانيته الحضارية، ولصار أقرب إلى البدائية والهمجية والعشوائية، فالفرق بين الإنسان المتحضر والإنسان البدائي هو ما تلقيه الأسرة والوطن والدين في روع المتحضر من قيم وقواعد وتعاليم، إنها ضفائره الوجدانية التي تنسج معماره الإنساني في أرقى صوره وفي أسمى معانيه. ومن هنا تجد دعاة الهدم والفساد يبذلون كل جهد في دك هذه الدعائم ونقضها ومحو آثارها. ولا يعلم هؤلاء أن الآثار المترتبة على هدم الأسرة والوطن والدين ستنال من الهدامين ولو بعد حين.


فمن الأسرة يتعلم الإنسان أصول الاجتماع وبواكير الأخلاق والقيم الإنسانية والفضائل في فطرتها النبيلة، ومن جميل ما قرأتُ ما وصف به العقاد الرحمة؛ فأشار إلى أنها قد أُخذت من الرحم وهو القرابة في الأمهات والآباء، والكرم مأخوذ من الأصل العريق المنزّه عن الأخلاط والأوشاب، وتطلق الحرية على النسب الخالص من الهجنة والعبودية، والعزة تطلق على الأسرة التي لا تغلب لكثرتها، والشيخ والكبير والرئيس هي كلمات تطلق على الأب الذي تقدم في السن ثم أطلقت على كل متقدم في جماعة من الجماعات، وكذلك أطلقت على الحكيم الفيلسوف، وسُمي ابن سينا بالشيخ الرئيس.  

ثم ينبري دعاة الهدم إلى الأوطان يسعون لهدمها بالتشكيك في مصداقية قادتها، وتحطيم ما تقوم عليه المؤسسات الوطنية بدعوى الإصلاح، ولكنها في واقع الأمر شهوة التخريب في النفوس الممسوخة لهؤلاء الهدامين، تراهم يسخرون من الوطنية، ولا ترى منهم ساعة التضحية إلا التخاذل والارتداد، ولا يتعلمون دروسها ممن هانت عليهم أرواحهم وأرواح أبنائهم في سبيل الوطنية والفداء، وقد غاب عن الهدامين أن الأوطان لا تقوى إلا بمقدار ما في نفوس أبنائها من الشجاعة والإقدام والتضحية.


ثم لا يلبث دعاة الهدم أن يوجهوا سهامهم إلى العقائد والأديان ليبطلوها ببث الخلافات الدينية والنزعات الطائفية والتركيز على التفصيلات والجزئيات والأباطيل والخرافات، ولا يعلم هؤلاء أنهم بذلك يهدمون الضمير الروحي للأمة قبل الإنسان.
إن الهدامين ينظرون إلى الإنسانية كأنها عدو لدود، فالهدم عندهم هو الأصل، والبناء -إن وجد- هو الاستثناء، ودليل ذلك رغبتهم المُلحّة في هدم الأسرة، وتقويض أركان الوطن، وإتلاف الضمير الروحي والديني لأبناء الأمة.والذي لاشك فيه أن معاول الهدم ستطال يوماً ما الهدامين والفاسدين، والحق آت لا محالة ما دام في الإنسانية دعاة للبناء، وما دامت الضفائر الوجدانية في بقاء.

to top