الجمعة 3 ديسمبر 2021
القاهرة °C

سوريا في ميزان القيصر

د. أحمد يوسف

تدرجت الولايات المتحدة الأمريكية في فرضها للعقوبات على الأشخاص والكيانات السورية الداعمة لمواقف النظام أو المندرجة في مؤسساته المدنية والعسكرية على حد سواء، منذ بداية الأزمة السورية، في محاولة منها للتحكم بالتغيرات الميدانية والسياسية للأزمة الأكثر تعقيداً في الشرق الأوسط بعد انطلاقة المهرجانات التغييرية المسمّات بالربيع العربي، إلا أنّ التدخلات الإقليميّة والدولية، في هذه الأزمة، والتداخل العميق في مصالح الأطراف المتدخلة، أدى إلى تشتيت المواقف والتأثيرات الناجمة عن التدخلات، وتعددت الرؤى الداعية إلى معالجة الأزمة وإنهائها، واختلفت، إلى حدود التناقض، تبعاً لمصالح الأطراف المؤثرة لبناء تلك الرؤى، مما أدى إلى تعطل المسار الأممي المتمثل في سلسلة مؤتمرات جنيف وقراراتها، على الرغم من استمرارها الشكلي، مقابل الظهور الإعلامي للهيكلية الناجمة عن اتفاق، وليس توافق، الثلاثي المناهض لرؤية جنيف ومساره.

المزاحمة الأمريكية -الروسية

بالرغم من توفر جميع مقومات الفشل الآستاني الذي تبنته القوى الإقليمية (تركيا وإيران) إلى جانب روسيا لسحب البساط من تحت أقدام القوى المحاربة لـ”داعش” في إطار التحالف الدولي، لم تكن الولايات المتحدة في موقف المتفرج من التطورات على الضفاف المقابلة لها، بل أنها رسمت الخطوط التي تؤمن فشل جميع الحلول التي تستبعد رؤيتها لمعالجة الأزمة السورية، وهي بلا شك رؤيةٌ تسعى الولايات المتحدة من خلالها لتقوية نفوذها في الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الربيع العربي المزعوم، لذا عملت وفق مسارات متعددة يمكن إجمالها في وضع قدميها في الجغرافيا الأكثر قوة في الخريطة السورية، والتمسك بمسار جنيف للسير نحو إيجاد حل للأزمة السورية، وارتفاع وتيرة التهديد للنظام السوري وحلفائه من خلال منع الدول الغربية من أي مساهمة في عمليات إعادة الإعمار في سوريا في حال عدم توافقها مع الرؤية الأمريكية، وبالتالي إفشال الجهود الروسية في إنهاء الأزمة وفق مقتضيات مصلحتها، والتي وصل بها الحال بعد ست سنوات من التدخل المباشر في الأزمة السورية إلى اعتبار الأزمة عبئاً كبيراً يهلك كاهلها، لذا فهي مضطرة إلى البحث عن حلول جديدة تتوافق مع الرؤية الأمريكية والغربية عموماً.

واستناداً إلى ذلك بدأت بتغيير موقفها بصورة جزئية تجاه القضية السورية والحلول المثلى لمعالجتها، إذ بدأت تقدم رؤىً تلامس مضمون قانون حماية المدنيين في سوريا أو ما تم تسميته بقانون “قيصر” نسبةً إلى رجل الأمن السوري المجهول الهوية الذي وضع في تصرف الكونغرس الأمريكي ما يبرر لها لإصدار هذا القانون الشديد تجاه النظام وحلفائه في حرب السنوات العشر المستدامة.

المعاقبون

لقد اتخذ هذا القانون صيغته النهائية في منتصف شهر كانون الأول لعام 2019 ووقع عليه الرئيس أمريكي دونالد ترامب في الحادي والعشرين من الشهر نفسه من عام 2019، ويصبح سارياً بعد /180/ يوماً من توقيع الرئيس الأمريكي عليه ولمدة خمس سنوات. ويشمل القانون في عقوباته ما يلي:

أولاً: الأشخاص والكيانات والأجنبية المتعاونة مع النظام السوري، والتي توفر عن علم أو قصد الدعم مالياً أو مادياً أو تقنياً كبيراً للحكومة السورية أو أي كيان تملكه أو تسيطر عليه الحكومة السورية أو شخصية سياسية بارزة في الحكومة السورية، وكذلك أي شخص أو شركة أجنبية تعمل عن عمد بنشاط عسكري داخل سوريا لصالح أو نيابةً عن الحكومة السورية أو روسيا أو إيران، أو يبيع أو يوفر عن عمد الطائرات أو قطع غيار الطائرات التي تستخدم للأغراض العسكرية لصالح الحكومة السورية أو نيابة عنها لأي شخص أجنبي يعمل في منطقة تسيطر عليها بشكل مباشر أو غير مباشر الحكومة السورية أو القوات الأجنبية المرتبطة معها. وكل من ساهم عن قصد بتوفير خدمات بناء وإعمار هندسية كبيرة للحكومة السورية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

نستدل من ذكر الأشخاص والكيانات المستهدفة بالعقوبات على التركيز على الدعم المقدم من مجموعة الأشخاص والشركات التابعة للدول الداعمة لمواقف النظام السوري، مثل روسيا وإيران، وهي مهددة بالخضوع للعقوبات التي قد تؤدي بها إلى الإفلاس نتيجة تعاملها مع الكيانات والشخصيات السورية المحسوبة على النظام، مما يؤدي إلى زيادة احتمالات انسحابها من المعضلة السورية لإنقاذ نفسها من الأضرار التي قد تلاحقها في استمرارها بالعمل لصالح الحكومة السورية وكياناتها المختلفة. وبهذا نجزم أن القانون يهدف إلى عزل وتطويق النظام عن طريق منع الجهات الخارجية، أياً كانت صفتها أو شكلها القانوني، من التعامل مع كل الكيانات والأشخاص المحسوبين على النظام السوري.

ثانياً: الأشخاص والكيانات المحلية المتمثلة في:

  1. رئاسة الجمهورية ومعاونيه ومستشاره للشؤون الاستراتيجية. ورئيس الوزراء ونوابه، وأعضاء مجلس الوزراء.
  2. الأفراد والشركات الذين يقدمون التمويل أو المساعدة للرئيس، وهنا يمكن إيراد مثال شركتي الهاتف النقال، والعديد من رجال الأعمال السوريين.
  3. عدد من الصناعات السورية في مجالات البنية التحتية، الصيانة العسكرية، إنتاج الطاقة، وهي تمثل بمجملها عصب الصناعات العسكرية والمدنية في سوريا، ولا شك أنها ستنعكس سلباً على جميع القطاعات الاقتصادية في البلد، والتي تعاني من حالة الترهل نتيجة ظروف الحرب السائدة في المشهد الرئيسي لسوريا.
  4. رئاسة أركان الجيش وقادة الفرق العسكرية وقيادة الحرس الجمهوري والقيادات في وزارة الداخلية والمحافظون ورؤساء الأجهزة الأمنية وفروعها في المحافظات ومدراء السجون في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية. ولن تكون العقوبات الدارجة تحت هذا البند ذات تأثير كبير في المشهد السوري، نتيجة ضعف الانعكاسات الاقتصادية لها.
  5. البنك المركزي السوري، ويتوقف ذلك بتقديم وزير الخزانة الأمريكية بعد /180/ يوماً من سن القانون تقريراً يبين فيه فيما إذا كان المصرف المركزي السوري يمارس نشاطات تعد من قبيل غسيل الأموال.

الاقتصاد الضحية

تؤكد العقوبات المفروضة على الداخل السوري تركيزها في التأثير على المؤسسات الثلاث: رئاسة الجمهورية، الجيش، الأجهزة الأمنية، ويضاف إليها بعض المشاريع ذات الطابع الحيوي مثل الطاقة والصناعات العسكرية، وهي على الرغم من أنها ضعيفة بتأثير النتائج الكارثية للحرب، ستكون لها آثار سلبية على الاقتصاد السوري المثقل بالأعباء المختلفة، والفاقد لما يعادل أربعة أخماس ناتجه المحلي الإجمالي منذ بداية الحدث الأليم.

وتزداد التعقيدات الاقتصادية السورية بفعل مفردات قيصر المتعلقة بمحور السياسات النقدية عبر البنك المركزي السوري، حيث ينص القانون على فرض عقوبات مشروطة بتقديم وزير الخزانة الأمريكية لتقرير يبين فيه مساهمة البنك في عملية غسيل الأموال. ويبقى مفهوم غسيل الأموال الذي يعنيه القانون مبهماً، ريثما يتبين شموله للمعاملات المالية للشركات والأفراد الأجانب المتعاملين مع الحكومة السورية وكياناتها. بجميع الأحوال سيحدث القانون تأثيراً ثنائي الجانب في الاقتصاد السوري، يتمثل أحدهما في الجانب الخارجي المتعلق بالشركات والكيانات والأفراد الأجانب وهو الجانب الذي قام القانون بذكره بصورة مفصلة، وعقوباتها قادرة على تحقيق الشلل في الاقتصاد السوري نتيجة فرض المنع على التعامل مع وحدات ذلك الاقتصاد.

أما الآخر فيتمثل في الجانب الداخلي، فلم يهتم القانون به بصورة مفصلة، لذلك يمكن للكيانات الاقتصادية السورية، باستثناء تلك الواردة في القانون، العمل في دائرتي الإنتاج والاستهلاك في حال انتفاء حاجتها إلى الأسواق الخارجية، لكن إن كان ذلك ممكنا على الصعيد النظري، فإنه يبدو من الناحية العملية ضرباً من المستحيل في ظل دمار البنية التحتية للبلد.

أين المواطن مما يحصل؟

لقد جاء هذا القانون شاملاً، وكافياً لإصابة الاقتصاد السوري والمشمولين به، من الأفراد والشركات والكيانات الأخرى بالشلل، ولا شك أن المواطن السوري سيدفع فاتورةً مأساوية لا تقل عن تلك التي مازال مستمراً في دفعها منذ العام 2011م. حيث سيوجه هذا المواطن المزيد من سوء الحالة المعيشية في ظل انتشار الفساد وسوء التخطيط وعدم قدرة الحكومة على تلبية احتياجاته بالحدود الدنيا. ولا شك أن الليرة السورية لن تتوقف عند حاجز انهيار محدد، بل ستبقى مستمرة في منافسة العملات اللبنانية والعراقية في عملية فقدان القيمة أمام العملات الصعبة، وستعلن هذه العملة للمواطنين عجزها عن تحويل أحلامهم في الاستهلاكية إلى حقائق معاشة. كما سنرى تضييقاً أكبر في سوق النقد الأجنبي وارتفاع وتيرة اللجوء إلى العملات الصعبة والممنوعة التداول لاستخدامها كمعيار للتبادل وكمخزون للقيمة.

ماذا بخصوص شمال وشرقي سوريا؟

عسكرياً، تتمتع هذه المنطقة بحالة أقرب إلى الاستقرار مقارنة مع المناطق الأخرى، باعتبارها المنطقة التي شهدت تعاوناً بين قوى التحالف الدولي لمحاربة “داعش” وقوات سوريا الديمقراطية. وتشير المعطيات الميدانية إلى استمرار هذا التحالف في صيغته الراهنة، والتوجه نحو صيغ سياسية، تبدأ بدعمها لإنشاء محاكم لمحاكمة عناصر “داعش” على تلك الجغرافية التي تسير نحو الاستقرار. أمام هذا الواقع الذي يدعو إلى التفاؤل، يبقى السؤال المتعلق بالتأثيرات الناجمة عن تطبيق قيصر يراود أصحاب القرار في تلك المنطقة، خاصةً أن الجهة المصدرة للقانون حليفتهم في محاربة أعتى قوة ظلامية في القرن الواحد والعشرين، وهو ما يستوجب منح المنطقة اعتبارات خاصة تمنحها القوة التي تجعل تأثيرها بالقانون خفيفاً مقارنة مع المناطق الأخرى من سوريا.

قد تتحقق وجهة النظر المتفائلة بهذا الخصوص، ويتم استثناء هذه المنطقة من العقوبات، إلا أن ذلك لن يحيد المنطقة عن التأثير السلبي بتلك العقوبات، نظراً لأنها جزء مرتبط بالداخل السوري اقتصادياً واجتماعياً. لكن الأمور ستكون أكثر انسيابية في سيرورتها في حال تحسن أداء الإدارة في مواجهة الانعكاسات السلبية للقيصر الذي يبدو أنه سيؤكد أنه القيصر قانوناً وفعلاً.

– نورث برس

to top