معلوم للجميع أن المنطقة تقف أمام إعادة ترتيب للبُنى الوظيفية، ورسمٍ جديد للمشهدين السياسي والعسكري، في ظل أجندات نظام الهيمنة والنهب العالمي، المتمثل في المنظومة الدولية السائدة التي تبلورت بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وفي ظل هذه الصياغة الدولية والإقليمية، وأدواتها المختلفة، ليس من السهل السماح بانطلاقة مجتمعية ديمقراطية حقيقية ذات إرادة حرة، تعيد للمجتمعات والشعوب حقوقها، وتعزز تعايشها المشترك واحترامها المتبادل. بل إن منظومة الهيمنة وتوابعها السلطوية الإقليمية والمحلية تعمل بكل جهد وقوة على أن تكون العلاقة بين المجتمعات والسلطات علاقة أحادية قمعية تسلطية، وأن تسود سياسات «فرّق تسد» أو «حرّض، اقتل، واحكم». مما لا شك فيه أن القومية العنصرية والطائفية الدينية هما ركيزتا التدخل الخارجي لتحقيق استمرارية الهيمنة والنهب من قبل الرأسمالية العالمية؛ إذ إن وجود هاتين الركيزتين يولّد استقطابات تُضعف حالة المجتمع المتماسك القادر على الفعل والتأثير. ومن هنا يمكننا التوقف عند الحالة السورية، وما حصل في الأسابيع الأخيرة بين النموذج الديني الإسلاموي (الحكومة السورية المؤقتة أو هيئة تحرير الشام)، والنموذج المجتمعي الديمقراطي (الإدارة الذاتية الديمقراطية وقواتها العسكرية، قوات سوريا الديمقراطية). ولا شك أن فهم الأمور عن قرب يمنحنا دلالات أعمق حول الأحداث الحاصلة، وكذلك حجم التداعيات المترتبة عليها. نستطيع التأكيد أن العلاقة التكتيكية بين قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي لمحاربة داعش، بقيادة الولايات المتحدة، لم تتبلور إلى علاقة سياسية أو استراتيجية أو وظيفية؛ لأن القوى الدولية لم تستطع إخضاع قوات سوريا الديمقراطية ومشروع الإدارة الذاتية لأجنداتها، إضافة إلى مواقف القوى الإقليمية الرافضة للدور الكردي أو لأي مشروع ديمقراطي حقيقي. ولذلك رأينا اختيارهم للنموذج الإسلاموي الخانع والخاضع للقوى الدولية والإقليمية ومصالحها، على حساب الشعب السوري. ورغم انحسار مشروع قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية إلى روج آفا (المناطق ذات الغالبية الكردية)، فإنه، وبمقاومة كبيرة وتضامن الكرد في الأجزاء الأخرى من كردستان، وكذلك على مستوى العالم، ومعهم القوى الديمقراطية.