الأربعاء 24 يونيو 2026
القاهرة °C

الصادق محمد احمد يكتب : التكامل السوداني المصري :ضرورة جيوسياسية وحتمية حضارية

الحدث – القاهرة

في عالم لا يعترف بالكيانات الصغيرة تعيد الأزمات الوجودية المتلاحقة في حوض النيل رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، وتفرض على النخب الفكرية والسياسية تجاوز الأطر التقليدية نحو آفاق التكتلات الاستراتيجية الكبرى. إن إعادة النظر في مستقبل العلاقات بين السودان ومصر لم يعد مجرد ترف دبلوماسي أو بروتوكولات حسن جوار، بل هو في جوهره معادلة بقاء ونهضة للبلدين معاً، وللسودان على وجه الخصوص في هذه المرحلة الحرجة من تاريخه، هذا الإمتداد الطبيعي البشري والجغرافي يمثل العمق الإستراتيجي المفقود الذي إن أُحسن تفعيله لشكل حصناً منيعاً أمام مهددات التفتيت والتذويب التي تواجه المنطقة بأسرها.

تتبدى أولى تجليات هذا التكامل الحتمي في القطاع الإقتصادي وتحديداً في ملف الأمن الغذائي والزراعي والصناعي ،فالسودان الذي يمتلك ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة والموارد المائية الهائلة يعاني تاريخياً من فجوة في الإدارة الفنية والتقنيات الحرفية المتقدمة ، وهنا تبرز الميزة النسبية للمزارع المصري الذي يمتلك عبر تراكم تاريخي ممتد دراية فنية وحرفية في التعامل مع التربة وتعظيم الإنتاجية. إن دمج هذه الخبرة البشرية الفنية مدعومة بالقطاع الصناعي المتطور في مصر ورأس المال المصري الذي يبدي رغبة أكيدة وحقيقية للاستثمار في الأسواق السودانية من شأنه أن يخلق قوة إقتصادية إقليمية ضاربة ، غير أن هذا الطموح لن يرى النور ما لم يوازه تشريع وطني شجاع، يتمثل في صياغة قوانين جاذبة ومستقرة للإستثمار الحقيقي، تُبنى على قاعدة (المنفعة المشتركة) وتراعي المصالح الحيوية للسودان دون إجحاف بحقوق المستثمر، ليكون الاقتصاد هو القاطرة التي تقود قطار السياسة والمجتمع.

بيد أن هذه القاطرة الإقتصادية تحتاج إلى درع عسكري ومظلة أمنية إقليمية صلبة تحميها من أطماع المتربصين، فالتعاون العسكري بين الخرطوم والقاهرة ليس مجرد تنسيق دفاعي عابر بل هو ضرورة لحماية الممرات المائية الحيوية، وضمان إستقرار البحر الأحمر، وضبط الحدود الشاسعة ضد مهددات الجريمة العابرة والمليشيات المأجورة. إن بناء عقيدة أمنية مشتركة وتفعيل بروتوكولات الدفاع المشترك يمثلان صمام الأمان للأمن القومي لكلا البلدين ،فكل مهدد أمني يستهدف الخرطوم يرتد أثره فوراً على القاهرة، والعكس صحيح. تتجلى أهمية هذا التنسيق العسكري في مجابهة محاولات فرض الأمر الواقع في ملفات المياه والطاقة، مما يجعل القوة العسكرية الموحدة وسيلة ردع إستراتيجية لا غنى عنها لضمان إستقرار الإقليم وثبات قراره السيادي.

إلى جانب الدروع العسكرية والمصالح الاقتصادية يتأسس هذا التقارب كذلك على ركيزة ديموغرافية وإجتماعية غير قابلة للاهتزاز ،إذ يمثل الوجود السوداني المليوني الواسع في الحواضر المصرية اليوم-كأكبر تجمع بشري وتمازج مجتمعي في المنطقة-حاضنة شعبية حية تحول خطط التكامل من أروقة التنظير السياسي إلى واقع يومي معاش. هذا الإمتداد الإنساني يتطلب تدشين مشاريع ربط بنيوية عملاقة ، فالحديث عن نهضة البلدين يستوجب تسريع خطوط الربط الكهربائي وتوسيع شبكات السكك الحديدية والطرق البرية العابرة للحدود وتطوير الموانئ المشتركة على ساحل البحر الأحمر. إن الشرايين المفتوحة للحركة والتجارة والإندماج البشري هي الحصانة الحقيقية التي تجعل من وادي النيل كتلة جغرافية واحدة متصلة قادرة على فرض شروطها في معادلات الأمن الإقليمي والقرن الإفريقي.

ومع وضوح هذه الحقائق فإن مسار التقارب ظل تاريخياً يصطدم بألغام سياسية وفكرية مصنوعة بعناية ،إذ يلاحظ المراقب للمشهدين السوداني والمصري أن التيارات اليسارية في كلا البلدين تتبنى بدافع الأدلجة الضيقة خطاباً حريصاً على زرع الفتنة وإذكاء روح الفرقة والعداء التاريخي المصطنع. إن هذه القوى تدرك تماماً أن المصير الوجودي للبلدين محكوم بعمق حضاري وإسلامي مشترك، وأن أي شكل من أشكال التكامل الفعلي بين الخرطوم والقاهرة يعني تلقائياً تعزيز وارتكاز الوجود الإسلامي في القارة الإفريقية ، لذلك لم يكن غريباً أن تتقاطع مصالح هذا التيار المحلي مع أجندات مخابراتية دولية وإقليمية، فالإستخبارات الغربية والإسرائيلية -بالإضافة الى طموحات بعض القوى الإقليمية- تدفع بقوة نحو إبقاء الجدار العازل بين الشقيقين لأن وحدة وادي النيل وتناغمه العسكري والاقتصادي يمثلان كابوساً جيو-سياسي يهدد استراتيجيات الهيمنة وخطط التحكم في الموارد الحيوية لإفريقيا بشكل عام والسودان ومحيطه بشكل خاص ، لذلك فإنه و أمام هذه التحديات المفصلية تبرز المسؤولية التاريخية للقيادات السياسية والمجتمعية في البلدين ، إذ يتحتم على هذه القوى الاقتناع بأن قضايا الأمة تُدار بالرؤى بعيدة المدى .

إن المصلحة الإستراتيجية للبلدين والشعبين الشقيقين تقتضي اليوم عملاً دؤوباً لتقوية أواصر التعاون وبناء آليات تواصل مؤسسية صلبة ومستمرة بين النخب والشعوب على حد سواء تتجاوز تقلبات السياسة، لذلك يجب على العقلاء ألا يقعوا في فخاخ الإستراتيجيات العاطفية أو معارك الهوية المزيفة التي تروج لها غرف صناعة الفتن، فالعداء بين السودان ومصر هو إنتحار استراتيجي متبادل . إن بناء جبهة إقليمية موحدة تنطلق من تكامل زراعي وصناعي متين وتحميها قوة عسكرية رادعة وترتكز على مرجعية حضارية إسلامية مشتركة هو طوق النجاة الوحيد في وجه العواصف العاتية، وهو الخيار الذي يضمن للأجيال القادمة اوطاناً عزيزة مهابة، تملك قرارها وغذاءها وسلاحها في آنٍ واحد.

*كاتب ومحلل سياسي سوداني

to top