الجمعة 13 مارس 2026
القاهرة °C

الكاتب والمحلل السياسي أحمد شيخو يكتب : الشرق الأوسط بين صراعات الهيمنة وضرورة البديل الديمقراطي الذاتي.. والرأسمالية العالمية تسعى لإعادة صياغة المنطقة

الحدث – القاهرة

تمر منطقة الشرق الأوسط وجوارها الجغرافي بمرحلة تاريخية مفصلية، تتسم بصراع محتدم حول الهيمنة وتضارب الإرادات الدولية والإقليمية، إن المشهد الراهن ليس مجرد صدام عسكري عابر، بل هو نتاج لتقاطع أزمات بنيوية عميقة؛ حيث تتصادم مصالح المنظومة الرأسمالية العالمية الساعية لإعادة صياغة المنطقة، مع إصرار الدول القومية (بنسختيها القومية والدينية) على استمرارية نماذج حكمها التقليدية، وفي وسط هذا التجاذب، تبرز تطلعات الشعوب التواقة لحلول جذرية لأزماتها الوجودية العالقة.

 

تناقض الأولويات بين الرأسمالية الدولية والدولة القومية

يمكن توصيف الحروب الراهنة بأنها تجليات لتناقض حاد في الأولويات الاقتصادية والسياسية. تسعى القوى الدولية الكبرى لفرض صيغة جيوسياسية جديدة تضمن التحكم المطلق في منابع الطاقة وممرات الملاحة الدولية والمضائق الاستراتيجية، تماشيًا مع التحولات التكنولوجية والتقنية الحديثة.

في المقابل، تخوض الدول القومية في المنطقة معركة بقاء للدفاع عن وضعيتها الراهنة، لكنها تعاني من ركود في بنيتها الفكرية وسلوكها السياسي. وبدلًا من الانفتاح على الإصلاح البنيوي، نجد هذه الأنظمة تركن إلى ممارسة العنف الممنهج أو تعميق التبعية للخارج، متوهمة أن هذه الأدوات كفيلة بالحفاظ على ديمومتها.

مثلث الصراع الإقليمي (أمريكا، إسرائيل، وإيران)

إن الصراع الحالي بين المحور الأمريكي-الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة ثانية، يتطلب قراءة تحليلية تتجاوز الاستقطاب الأيديولوجي السطحي:
• الاستراتيجية الأمريكية: تمثل سياسة الإدارة الأمريكية الحالية امتدادًا للإرث الاستعماري القائم على إدارة التناقضات وتغذية النزاعات البينية، بهدف إبقاء المنطقة تحت الوصاية الدائمة وتوظيف مقدراتها لخدمة الأجندات الرأسمالية.

• الدور الإسرائيلي: تشكل إسرائيل “رأس الحربة” للنظام الرأسمالي العالمي في المنطقة. وهي تسعى حاليًا، مستفيدة من “اتفاقات إبراهام”، لتقديم نفسها كقائد إقليمي مهيمن، متجاوزةً بذلك مرحلة الدفاع التقليدي لتنتقل إلى مرحلة قيادة الدفة الإقليمية، وسط تنافس محموم مع القوى الإقليمية الأخرى (مثل تركيا) رغم انتمائهما المشترك للمنظومة الدولية ذاتها.

• الموقع الإيراني: من منظور تاريخي، يمكن القول إن انحراف مسار ثورة 1979 من حراك شعبي عام إلى نظام “ثيوقراطي” كان ضمن سياق جيوسياسي دولي لإنتاج نمط معين من السلطة. إلا أن هذا النموذج تحول اليوم إلى عبء على الشعب الإيراني وعلى توازن المصالح الدولية المركزية نفسها.

توظيف القضايا العادلة وصراع النفوذ

كشفت الحروب الحالية أن الصراع لا يدور حول “قيم أخلاقية” أو “قضايا عادلة”، بل هو صراع نفوذ محض على الموارد والممرات الاستراتيجية والنفوذ. ويحاول كلا الطرفين استغلال المعاناة الإنسانية والقضايا الوطنية الكبرى (مثل القضية الفلسطينية والقضية الكردية) كأوراق ضغط وتهديد وتفاوض لتعزيز مكاسبهما السياسية.

إن الحقيقة السياسية تؤكد أن انتصار أي من هذين القطبين لن يحقق الاستقرار المنشود:
• فالانتصار الأمريكي-الإسرائيلي لا يعني إقامة نظام ديمقراطي أو حماية حقوق المكونات، وما النموذج السوري إلا شاهد حي على ذلك.
• كذلك، فإن التمدد الإيراني لا يحمل في طياته أي مشروع للتحول الديمقراطي أو التعددية السياسية.
نحو بديل ديمقراطي مجتمعي.

إن المخرج من أزمة النظام الرأسمالي وأزمة الدول القومية الأحادية لا يكمن في الانحياز لأي من معسكرات الصراع، بل في بلورة مشروع ديمقراطي مجتمعي مستقل. تتمثل رؤيتنا للحل في ضرورة امتلاك شعوب المنطقة لإرادتها الحرة بعيدًا عن الاصطفافات، والعمل على إنجاز تحول ديمقراطي حقيقي يفضي إلى بناء “الجمهورية الديمقراطية”.

وهي الجمهورية التي:
1. تحتضن كافة المكونات القومية والدينية بإنصاف.
2. تعتمد نظم الديمقراطية اللامركزية التي تتجاوز جمود الدولة القومية المركزية.
3. تجعل من كرامة الإنسان وحقوق المجتمع بوصلة للبناء والتنمية.
4. تتحقق فيها الحرية والديمقراطية.
5. تكون للمرأة فيها كيانيتها ودورها المجتمعي والاقتصادي والسياسي الأساسي، وتكون لها الصدارة في كافة الأعمال.

نحو أفق ديمقراطي متجاوز للاستقطاب

تأسيسًا على ما تقدم، يتضح أن منطقة الشرق الأوسط ليست مجرد ساحة لتصفية الحسابات العسكرية، بل هي المختبر التاريخي الذي يتحدد فيه مصير الدولة القومية المركزية في مواجهة طموحات العولمة الرأسمالية.

إن المشهد الراهن، بكل تعقيداته الدامية، يؤكد حقيقة بنيوية مفادها أن النماذج السياسية التقليدية ـ سواء كانت دولًا قومية منغلقة على ذاتها أو مشاريع هيمنة عابرة للحدود ـ قد وصلت إلى طريق مسدود، ولم تعد قادرة على تقديم حلول مستدامة للأزمات الوجودية التي تعصف بالمجتمعات.

إن الرهان على انتصار قطب إقليمي أو دولي على آخر هو رهان خاسر في جوهره؛ لأن كلا المشروعين المتصارعين ينطلقان من عقلية “الإقصاء” والاستحواذ على الموارد، ويشتركان في تهميش الإرادة الشعبية الحية. فبينما تسعى القوى الدولية لتحويل المنطقة إلى “سوق مفتوحة” وممرات لوجستية منزوعة السيادة، تحاول الأنظمة القومية والثيوقراطية تدوير أزماتها عبر تصدير العنف وتعميق التخندقات الهوياتية.

بناءً عليه، فإن المخرج الحقيقي لا يكمن في انتظار معجزات سياسية تأتي من الخارج، بل في اجتراح مسار ثالث يقطع مع التبعية والجمود. إن مستقبل المنطقة مرهون بمدى قدرة قواها الديمقراطية ومجتمعاتها المدنية على صياغة عقد اجتماعي جديد يتجاوز الدولة المركزية المتصلبة نحو “الكونفدرالية الديمقراطية” أو النظم اللامركزية التعددية.

في نهاية المطاف، إن “الجمهورية الديمقراطية” المنشودة ليست ترفًا فكريًا، بل هي ضرورة جيوسياسية ذاتية ملحة للحفاظ على النسيج المجتمعي من التمزق. إنها الرؤية التي تحول التنوع القومي والديني من فتيل للحروب إلى ركيزة للاستقرار، وتجعل من الإنسان ـ لا الجغرافيا السياسية أو المصالح الرأسمالية ـ الغاية والوسيلة في آن واحد.

 

إن الانتقال من “منطقة صراع الإرادات” إلى “فضاء التعايش الحر” يتطلب شجاعة في النقد البنيوي، وإيمانًا راسخًا بأن حرية الشعوب هي الضمانة الوحيدة لإنهاء حقبة التبعية والحروب الدائمة.

to top