الحدث – بغداد
الزيارة التي يتم الاحتفاء بها من قبل الكثير على دخول السلطة المؤقتة في سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الارهاب تحت رقم انها الدولة أو الطرف رقم ٩٠، لا يعبّر على ان سوريا ستعيش الرفاهية والاعمار والاستقرار، بقدر ما ستعيش الفوضى، لأنهابالأساس لا تمتلك مقومات الدولة بعد. حيث انها تعتبر دولة هشة داخلياً جرّاء القرارات الأحادية التي اتخذتها حتى الآن، كذلك ما حصل من جرائم في الساحل بحق الاخوة العلويين وفي الجنوب بحق الاخوة الدروز، وايضاً وعيدهم للكرد، ومماطلتهم بتنفيذ ما وعدوا به في اتفاقية ١٠ آذار.
إن قرار انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب – خاصةً في سياق يسيطر فيه تحالف فصائل مسلحة، ذات خلفية جهادية مثل هيئة تحرير الشام (HTS) التي تطورت عن جبهة النصرة والقاعدة، على مناطق واسعة – تمثل نقطة تحول جيوسياسية بالغة التعقيد وتنطوي على تداعيات عميقة على الداخل السوري واستقراره الهش.
التناقض الجذري في انضمام “هيئة تحرير الشام” إلى التحالف يكمن في أن القوة التي ستحكم دمشق وتطالب بتمثيل سوريا في هذا التحالف هي في الأصل كيان مصنف إرهابيًا دوليًا (القاعدة ثم النصرة سابقًا).
النقطة المهمة هي تعريف مكافحة الارهاب الذي كل طرف عنده أولويات مختلفة عن الآخر. حيث وفق ما تم الاتفاق عليه في واشنطن وقبل به الجولاني رئيس السلطة المؤقتة هو انه على سوريا محاربة (حزب الله وحماس وداعش والحرس الثوري وفصائل أخرى من الاجانب او غيرهم). هذا التوصيف والترتيب في الفصائل التي ينبغي على سوريا (الجديدة) محاربتها ستبدأ من حزب الله كذلك حماس والحرس الثوري، وهم قوات خارج حدود سوريا. وهذا ما سيعني ويفرض على سوريا ان ترسل جيشها (الفصائل الجهادية) لخارج حدودها لمحاربة حزب الله وحماس والحرس الثوري، وبكل تأكيد لن يكون هناك مشكلة في شرعية عبور الحدود، والتي سيتم توفيرها من قبل التحالف الدولي وكذلك المؤسسات الأممية التي تسيطر عليها امريكا. وهذا ما سيقودنا ان الاستقرار الاقليمي سيتحول من حالة الهش إلى الفوضى بكل معنى الكلمة. وحينها سنقول (سلملي على الحدود المقدسة للدول وكذلك سلملي على سايكو بيكو).
وبكل تأكيد في هذا السيناريو لن تبق إيران مكتوفة الأيدي ومتخذة وضعية المتفرج، ولربما تدخل بشكل مباشر أو عن طريق أذرعها في العراق أو اليمن، وسيكون هذا التدخل تحت مسمى إسناد أو دعم ما تبقى من قوات حزب الله. ولكن بنفس الوقت أن أمريكا قد أرسلت رسالة للعراق مفادها “أنه ثمة عملية عسكرية ستكون في المنطقة وعلى العراق أن يبقى خارج هذه المعارك”، وذلك حسب ما سرب في الاعلام.
ويبقى دور تركيا والسعودية، الحاضرتين الغائبتين عن المشهد السوري. حيث عملت تركيا على ارسال الجولاني إلى روسيا، وأمّنت السعودية للشرع طريق البيت الأبيض. وهو ما أغاظ تركيا، وبان ذلك من خلال قصف دمشق وكذلك الهجوم الفاشل الذي حصل على السويداء من الطرف الغربي وكذلك عملية الاغتيال التي تمت في عفرين، هذه العمليات الثلاث بكل تأكيد لتركيا اليد الطولى فيها بغية نشر الفوضى في سوريا، بعدما تم استبعادها من سوريا رويداً رويداً، وهو ما كان واضحاً في حضور هاكان فيدان في زشانطنأثناء زيارة الجولاني. صراع خفي وقوي بين تركيا والسعودية على سوريا وفي العراق ولبنان أيضاً. ولا يمكن اغفال هذا الصراع أو التنافس بينهما على ما حدث في إدلب قبل فترة في الهجوم على معسكر الفرنسيين الاجانب.
ويبقى شرعية السلطة المؤقتة في دخولها للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب العالمي، هل هي استخدام الغرب هذه الفصائل ضد بعضها البعض وهو ما يعبر عن المصالح هي أهم من القوانين الدولية، من طرف الغرب، وبنفس الوقت ان السلطة المؤقتة بموقفها البراغماتي هذا والذي يعتمد على البقاء في السلطة أهم من(الولاء) الجهادي الذي كانوا يتغنون به.
لربما يكون الانضمام بحد ذاته سيعطي هيئة تحرير الشام (أو الحكومة المدنية المنبثقة عنها) المؤقتة، غطاءً للتحول من جماعة متطرفة إلى “شريك في الأمن الإقليمي”. هذا يهدد بتقويض جهود مكافحة الإرهاب على المدى الطويل، حيث يُنظر إليه على أنه مكافأة للإرهابيين الذين “ينظفون” سجلهم ذاتيًا.
الاستقرار في سوريا الآن مبني على توازنات قوة سريعة التغير، وتوحيد تحت سلطة قادمة من خلفية قتالية موحدة. انضمام هذه السلطة للتحالف الدولي سيخلق موجات صدام داخلية حادة وخاصة أن الصدامات ستكون مع الفصائل المتشددة الرافضة.
وسيُنظر إلى خطوة الانضمام على أنها ردة أيديولوجية وخيانة من قبل الفصائل الجهادية الأكثر تشدداً ورفضاً للبراغماتية الدولية، مثل تنظيم حراس الدين أو بقايا تنظيم داعش.
وقد يؤدي هذا إلى ظهور جبهة جديدة من المقاتلين الأجانب والجهاديين المحليين الرافضين، يرون في حكومة الجولاني الجديدة “عميلاً للغرب”، مما يعيد إنتاج دورة العنف ويخلق بؤرًا جديدة للتمرد المسلح ضد دمشق “الجديدة”.
حيث ان معضلة المقاتلين الأجانب كبيرة، حيث كان المقاتلون الأجانب (الذين جاءوا لدعم “الثورة الجهادية” ضد النظام) عنصراً حاسماً في صعود الجولاني. انضمام سوريا للتحالف يعني أن هؤلاء المقاتلين سيصبحون فجأة هدفاً دولياً أو على الأقل عبئاً يجب تسريحه أو ترحيله.
وان عملية التسريح قد تؤدي إلى تشتت آلاف المقاتلين الأجانب المدربين والساخطين، إما إلى دولهم الأصلية لارتكاب هجمات، أو للانضمام إلى فصائل جهادية أكثر تطرفًا داخل سوريا وخارجها.
لكن السلطة المؤقتة يبدوا أنها قبلت بهذا الانضمام النظري للتحالف قد يفتح الباب أمامها تخفيف العقوبات الغربية جزئياً، تحت ذريعة دعم الاستقرار ومكافحة التطرف، مما يسرّع عملية إعادة الإعمار الضرورية للاستقرار الاجتماعي.
ولربما تفكر الحكومة الجديدة، المدعومة دولياً، ستتمكن من السيطرة الكاملة على تدفق المساعدات وإعادة الإعمار، مما يعزز سلطتها وشرعيتها الداخلية، لكنه قد يؤدي إلى تهميش المناطق التي لم تكن تحت سيطرتها أو الموالية للنظام السابق.
إن انضمام سوريا (تحت سلطة HTS أو واجهتها المدنية) إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب ليس حلاً سحرياً للاستقرار. إنه مقايضة خطيرة، ولربما حساب السوق لن يطابق ميزانية الصندوق. لربما سعت من أجل الحصول على شرعية نسبية، وتخفيف الضغط الدولي، وربما دعم اقتصادي.
لكن بنفس الوقت إضفاء الشرعية على جماعة مصنفة إرهابيًا، وخلق أرض خصبة لتطرف أشد راديكالية يرى في الحكومة الجديدة هدفاً شرعياً لـ “الجهاد”، وتقويض الأسس الأخلاقية للتحالف الدولي ذاته.
سيظل الاستقرار في سوريا هشًا للغاية، معتمداً على قدرة الحكومة الجديدة على دمج أو تفكيك المقاتلين الأجانب وتلك الفصائل المتشددة الرافضة، وفي الوقت نفسه تلبية الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية للسكان دون العودة إلى ممارسات القمع. التداعيات ستكون حرباً باردة داخلية جديدة بين التشدد الأصيل والبراغماتية السياسية باسم مكافحة الإرهاب.
بالمحصلة ربما تكون هذه الخطوات هي بداية رسم المنطقة من جديد وفق مشروع شرق الوسطي جديد يسعى الغرب لرسمه وفق مصالحه هو، بعيدا عن تطلعات شعوب المنطقة أو على حسابها، وهذا ما سيقودنا الى ان ليس كل ما يقال سيكون هو الواقع، لربما يكون هناك مفاجأة تتوارى خلف ضجيج الاسلحة وغبار ميادين الاقتتال، وهو الذي سيؤدي إلى حالة من التوازن الرسمي للأنظمة من طرف وحالة الكمون المجتمعي من طرف آخر