الخميس 1 يناير 2026
القاهرة °C

الكاتب والمفكر الكردي محمد أرسلان يكتب : هندسة الفوضى: من بريمر إلى الجولاني

الحدث – بغداد

إن المقارنة بين بول بريمر (الحاكم المدني للعراق 2003-2004) وأبو محمد الجولاني (زعيم هيئة تحرير الشام وسلطة الأمر الواقع في إدلب ومحيطها) تبدو للوهلة الأولى مفارقة بين دبلوماسي أمريكي “غريب” وزعيم فصائلي “محلي”. ولكن عند تفكيك الآثار البنيوية لقراراتهما، نجد تقاطعاً مذهلاً في المنهجية التي تُعرف في العلوم السياسية بـ “التدمير الخلاق” أو إعادة تأسيس الدولة من نقطة الصفر، وهو ما يؤدي غالباً إلى فجوات أمنية ومجتمعية عميقة. في العراق، أدى حلّ الجيش واجتثاث البعث إلى فراغ ملأته الميليشيات. وفي سوريا، يقوم الجولاني بتفكيك بنية المجتمع القديم والفصائل المنافسة لتأسيس هيكل أحادي، مما يعيد إنتاج الديكتاتورية ولكن بعباءة مختلفة.

حيث عمل بريمر (العراق) على إصدار القرار رقم (2) بحل الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية، مما حول مئات الآلاف من المدربين عسكرياً إلى أعداء للدولة الجديدة، وشكل نواة للتمرد المسلح. نفس ما قام به الجولاني (سوريا). الذي عمل منهجياً على تفكيك فصائل الجيش الحر والفصائل الإسلامية المنافسة (أحرار الشام، نور الدين زنكي، وغيرها)، وحصر القوة العسكرية في “هيئة تحرير الشام” وجهاز الأمن العام، ليصبح هو المحتكر الوحيد للعنف، تماماً كما أراد بريمر للجيش العراقي الجديد أن يكون، ولكن برؤية إقصائية.

كذلك عمل بريمر في العراق على استبدال الدينار العراقي القديم (طبعة صدام) بالدينار الجديد لربط الاقتصاد بالنظام المالي العالمي وفك ارتباطه بحقبة الحصار. ونفس الأمر في سوريا قام الرئيس المؤقت بتغيير العملة السورية القديمة واستبدالها بجديدة. وسيتم العمل بها منذ بادية السنة الجديدة. الخطوة التي لاقت الكثير من الاستهجان على شكل العملة الجديدة، وكذلك أن هذا الأمر يحتاج الى قرار شعبي من برلمان منتخب ويشارك فيه كافة الشعب السوري بمختلف مكوناته. لكننا نرى أن السلطة والرئيس المؤقت يقومون وكأنهم دائمين وشرعيين وليسوا يحكمون لفترة انتقالية.

كذلك في العراق شكل بريمر “مجلس الحكم” على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية، مما أسس لنظام سياسي هش قائم على الهويات الفرعية لا الهوية الوطنية. أما في سوريا شكل الجولاني “حكومة الإنقاذ” ومجلس شورى صوري “بلون واحد”، حيث تم إقصاء أي صوت معارض وتخوين المخالفين، مما يؤسس لنظام شمولي جديد لا يقبل التعددية، مشابهاً لما فعله بريمر من حيث فرض شكل الحكم، ولكن أكثر تشدداً.

السؤال المطروح بديهياً هل الجولاني هو “بريمر المحلي” بتفويض غربي صامت؟

استراتيجية الإنهاك، والتي هي فلسفة قام بها الغرب، بعد تجربتي العراق وأفغانستان، لم يعد يرغب في التورط المباشر (Boots on the ground). وجود شخصية مثل الجولاني (بعد رفع صفة الإرهاب عنه) يقوم بضبط الأمن، محاربة الفصائل المتشددة العابرة للحدود (مثل حراس الدين وداعش)، وتأمين الحدود، يخدم مصلحة الغرب الأمنية دون تكلفة سياسية. وهو ما وافق عليه الشرع بعد زيارته لأمريكا.

كذلك التنصل من المسؤولية والتي يبرع بها الغرب، وعندما يفشل “الوكيل المحلي” أو يرتكب مجازر، يمكن للغرب التنصل منه بسهولة باعتباره “أمير حرب” وليس مبعوثاً رسمياً. هذا يعطي الغرب مرونة عالية؛ إن نجح الجولاني تعاملوا معه كأمر واقع، وإن فشل تركوه يسقط.

وهذا ما يجعلنا نتأكد ونقول نعم، وظيفياً، يقوم الجولاني بما عجز الغرب عن فعله مباشرة: ترويض المجتمع المحلي، القضاء على المنافسين، وضبط الجغرافيا، وكل ذلك بأدوات محلية “من أهل البلد”.

والمقارنة بين مصير العراق وسوريا يشير إلى أن سوريا تواجه سيناريو “أكثر كثافة وتعقيداً” لعدة أسباب منها؛ غياب “الريع النفطي” في سوريا. حيث أن العراق رغم الفوضى، كان يملك نفطاً هائلاً سمح بشراء الولاءات وتوظيف الناس لاحقاً. سوريا مدمرة اقتصادياً، مما يعني أن الصراع سيكون شرساً على الموارد الشحيحة (الندرة تولد العنف). وكذلك الانتقام الطائفي، حيث ما تشير إليه من قتل في الساحل العلوي والجنوب الدرزي يعكس خطورة “فراغ السلطة”. في العراق، حدثت حرب أهلية (2006-2008)، وفي سوريا، الأرضية مهيأة لتصفيات عرقية وطائفية بشكل كبير لغياب الـ “بديل الوطني الجامع”. الفصائل المتشددة لا ترى في الأقليات (دروز، علويين، مسيحيين، كرد) مكونات وطنية، بل “أهدافاً مشروعة”، وهذا ما يجعل النموذج السوري لأن يكون أكثر دموية من النموذج العراقي.

أما بالنسبة للكرد (قسد).. هل سيكونون بيضة القبان أم وقود المرحلة القادمة؟ وهو سؤال يؤرق بال الكثيرين من المتابعين. حيث في العراق، كان الكرد هم الرابح الأكبر بعد 2003 (إقليم فيدرالي، رئاسة الجمهورية). في سوريا، الوضع مشابه لكنه أكثر خطورة. قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تسيطر على “سلة سوريا الاقتصادية” (النفط، الغاز، القمح). لا يمكن لأي سوريا جديدة أن تعيش اقتصادياً دون موارد الشرق. وهم الشريك الموثوق الوحيد للغرب (التحالف الدولي) على الأرض، مما يمنحهم غطاءً سياسياً وعسكرياً لا يملكه الجولاني. ولكن التهديد الجدي لكرد روج أفا يتربص بهم من الشمال. وخلافاً لكرد العراق، يواجه كرد سوريا عدواً وجودياً متربصاً على الحدود (تركيا) ومحيطاً عشائرياً عربياً مشحوناً.

وهذا ما يؤكد أن ما يصرّ عليه الكرد في النظام اللامركزي وكذلك فلسفة “الأمة الديمقراطية”، والتي تحتضن الكل. وأن مشروع “الإدارة الذاتية” يطرح نموذجاً (نظرياً) للعقد الاجتماعي غير الديني وغير القومي المتطرف، وهو ما قد يكون المخرج الوحيد لسوريا. إذا تمكن الكرد من توسيع نموذجهم ليشمل العرب في الشرق والجنوب ضمن “لامركزية سياسية وإدارية”، فقد يكونون هم حجر الزاوية لبناء الدولة، لا الجولاني ولاحقاً الشرع. ما يحدث هو إعادة تدوير للتجربة العراقية ولكن بأدوات أكثر قسوة وبموارد أقل. الجولاني يلعب دور “بريمر الوظيفي” لتفكيك البنى القديمة، لكنه لا يملك شرعية البناء.

ولربما أن الغرب لم يرسل بريمر جديداً، بل ترك “السوريين يكسرون عظام بعضهم” تحت إشراف وكلاء محليين. الحل الوحيد للخروج من نفق “العرقنة” هو تجاوز ثنائية (النظام الجولاني) والذهاب نحو نموذج اللامركزية التوافقية السياسية، حيث يحكم كل مكون مناطقه ضمن دولة اتحادية، وتكون قوات قسد نواة لجيش وطني فيدرالي لا عقائدي، لحماية المكونات من الإبادة. وأن اتفاق 10 مارس ربما يكون الحل الأمثل لإنتشال سوريا من الاقتتال الداخلي والفوضى الكبيرة التي ستنهي على الكل. فعملية الاندماج ينبغي أن تكون بشكل منهجي بعيداً عن العصبيات الاستعلائية والصهر التي يتغنى بها أنصار النظام المؤقت. فالاندماج يعني التكامل بكل معانيه السياسية والثقافية والاقتصادية والمجتمعية، وليس ان يكون الجزء ضحية للكل وكأننا نبني دولة قبيلة في ربوع الحجاز، وفق ما تراه فضائيات الصحراء.

to top