الحدث – بغداد
تم استخدام ويكيليكس في 2016 لضرب “هيلاري كلينتون” والمؤسسة الديمقراطية التقليدية. فيما يخص بيل كلينتون، الوثائق كشفت شبكة العلاقات والمصالح (مؤسسة كلينتون)، مما وضعه تحت ضغط هائل، ليس فقط جنسياً بل مالياً وسياسياً، مما جرد آل كلينتون من قوتهم الأخلاقية وجعلهم خاضعين للتوازنات الجديدة.وكان من نتيجة ذلك زعزعة الثقة في “الدولة” كمؤسسة، وكشف نفاق السياسة الخارجية الأمريكية.
أما مرحلة وثائق إبستين والتي يمكن اعتبارها “فضح النخبة”. هذه الوثائق هي “القنبلة النووية الأخلاقية”. هي لا تكشف سياسات، بل تكشف انحطاط الأشخاص أنفسهم. يتم استخدامها الآن كـ “سيف مسلط” على رقاب الجميع (ترامب، كلينتون، الأمير أندرو، وغيرهم). والهدف هو تدمير “الرمزية الشخصية” للقادة، وتحويلهم من زعماء إلى متهمين محتملين يسهل ابتزازهم.
كيف سيتم التوظيف السياسي (بيل كلينتون vs دونالد ترامب)، والذي هو أهم نقطة ينبغي التوقف عليها. هنا نأتي لصلب الحدثحول “الانصياع لأوامر الدولة العميقة”. على زمن كلينتون كان تكتيك “الاحتواء عبر الفضيحة”. حيث كانت تلك المرحلة في سياق بيل كلينتون الذي كان يمثل “الحرس القديم” للديمقراطيين. ظهور اسمه مراراً في سياقات جنسية وفضائحية (سواء عبر تلميحات ويكيليكس سابقاً أو إبستين حالياً) يهدف إلى “تحييده” بشكل كامل.
حيث أن الدولة العميقة (المجمعات العسكرية والاستخباراتية والمالية) قد تستخدم هذه الأوراق لضمان ألا يقوم بيل كلينتون بأي مناورات سياسية خارج الخط المرسوم، ولإجبار تيار “الوسط” في الحزب الديمقراطي على تبني أجندات محددة خوفاً من فتح الملفات بالكامل. الفضيحة هنا هي “لجام” يمنع الجموح.
أما بالنسبة للرئيس دونالد ترامب والذي يتم تسيير تكتيك “الترويض أو الحرق” معه. حيث ترامب يطرح نفسه كعدو للدولة العميقة ويعمل على تشكيل نهج مغاير لنفسه.
ظهور اسمه في وثائق إبستين (حتى لو لم يكن متهماً بجرم مباشر، مجرد الارتباط بإبستين يعتبر وصمة) ويتم استخدامه بطريقتين؛ السيناريو الأول (الترويض). ومفادها إرسال رسالة “لدينا ما يدينك أخلاقياً، أنصع للتسويات القادمة بخصوص السياسة الخارجية والاقتصاد، وإلا سنحول الشبهات إلى تحقيقات”. والسيناريو الثاني (الحرق). إذا رفض الانصياع واستمر في تحدي “السيستم”، يتم تفعيل الآلة الإعلامية والقضائية لتحويل هذه الوثائق إلى قضية إنهاء مسيرة سياسية.
وتهدف الدولة العميقة التي لا تريد رئيساً “منفلتاً”، هي تريد رئيساً -سواء كان ترامب أو غيره- يعمل ضمن المحددات الاستراتيجية الكبرى، وهذه الوثائق هي أداة الضمان.
وهذا ما أدى لانشغال الولايات المتحدة بصراعاتها الداخلية وفضائح نخبها له تأثير مباشر وكارثي على منطقة الشرق الأوسط والعالم، وعندما ينشغل البيت الأبيض ونخبة واشنطن بالدفاع عن شرفهم الشخصي وسمعتهم، تضعف هيبة الولايات المتحدة. وبكل تأكيد أن بعض الدول الإقليمية (إيران، تركيا، إسرائيل، السعودية) تدرك أن “الشرطي العالمي” غارق في الوحل الداخلي. هذا يشجعها على التصرف بجرأة أكبر وبشكل منفرد، مما يزيد من حدة الصراعات (كما نرى في غزة، البحر الأحمر، وسوريا مؤخراً). حيث يمكن وضع المعارك والهجمات التي تمت مؤخراً بين قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ومرتزقة الجولاني وتركيا. وهل سنشهد فوضى هذه التسريبات وصمت متهميها، على العراق ولبنان، أم أنها محاولة ضغط على أمريكا لتسريع ضرب إيران.
في عصر ويكيليكس، ساهمت التسريبات في إشعال “الربيع العربي” عبر كشف فساد الأنظمة. أما الآن وثائق إبستين والصراع الداخلي الأمريكي يساهم في “فوضى غياب المرجعية”. لا يوجد ضامن دولي للاتفاقيات. الفصائل المسلحة والدول المارقة تستغل هذا الضعف لتوسيع نفوذها، معتقدين أن واشنطن أعجز من أن تتخذ قرارات حاسمة وهي تحت ابتزاز الملفات الداخلية.
هذا الصراع الداخلي الشرس يحول الولايات المتحدة من “قوة عظمى” تدير العالم، إلى “قوة عظمى” تصارع نفسها، مما يترك العالم (والشرق الأوسط تحديداً) في حالة من السيولة والفوضى الخطيرة حيث البقاء للأقوى إقليمياً. والسؤال الهام الذي يطرح نفسه، أين إسرائيل من هذه الفضائح والسيناريوهات التي يتم رسمها لروية بعيداً عن الخلل الذي يضرب دول المنطقة، وتحت ظل الفضائح الجنسية لزعماء ومشاهير من العالم.