الثلاثاء 13 يناير 2026
القاهرة °C

المفكر الكردي محمد أرسلان يكتب : همسة عتابٍ من روج آفا إلى الرياض

الحدث – بغداد

إلى صاحب السمو الملكي، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-

من قلبِ روج آفا، التي أتعبتها الحروب وأثقلت كاهلها الجراح، ومن مواطن سوري يرقبُ التحولات الإقليمية بعين الأمل تارةً وبعين القلق تارةً أخرى، أبعث لسموكم هذه السطور. هي ليست رسالة سياسية تقليدية، بقدر ما هي “همسة عتاب” نابعة من محبةٍ وتقديرٍ لشخصكم الكريم، ومن إعجابٍ بتجربتكم الرائدة التي باتت حديث العالم.

بدايةً، لا يسع أي مراقبٍ منصف إلا أن يقف وقفة إجلالٍ وتقدير للنقلة النوعية التي تشهدها المملكة العربية السعودية تحت قيادتكم. لقد تابعنا بشغفٍ وانبهار مشروعكم التنويري الطموح “رؤية 2030″، الذي لم يكتفِ بنقل المملكة إلى مصاف القوى الدولية المؤثرة اقتصاديًا فحسب، بل أعاد تشكيل البنية الاجتماعية والثقافية للبلاد.

لقد كان قراركم الجريء بتحجيم سلطة “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” بمثابة مبضع الجراح الماهر الذي استأصل ورمًا كان يضغط على أنفاس المجتمع، محاولًا قولبته في نمطٍ واحد. تلك الخطوة الشجاعة حررت الطاقات الكامنة، وفتحت الأبواب أمام التطور العلمي والتقني، مفسحةً المجال لثورة الذكاء الاصطناعي والمشاريع العملاقة مثل “نيوم“، التي نراها من بعيد كمنارةٍ لإدارة مستقبل المنطقة بأسرها. إننا، كسوريين، نتوق لأن نرى بلادنا تتحرر من أثقالها الموروثة لتلحق بهذا الركب الحضاري.

ومن هنا، ومن منطلق الحرص على تكامل هذه الصورة المشرقة، تأتي همسة العتاب الأولى. إن المتابع للسياسة الإعلامية للفضائيات المحسوبة على المملكة والموجهة للشأن السوري، يلحظ مفارقةً عجيبة وتناقضًا جدليًا بين ما تطبقونه في الداخل السعودي وبين ما يُروَّج له في الخارج.

في الوقت الذي تحاربون فيه التطرف وتقلمون أظافر التشدد داخل المملكة، نجد أن الخطاب الإعلامي الخارجي الموجه لسوريا لا يزال، في كثير من مفاصله، يتبنى لغةً تُذكي الفرقة وتشيطن مكوناتٍ أصيلة من النسيج السوري. إن سوريا، يا صاحب السمو، هي مهد التنوع؛ فسيفساء رائعة من العرب والكرد والآشوريين والأرمن والتركمان والشركس، ومن السنة والعلويين والدروز والإسماعيليين والمسيحيين واليزيديين.

إن ما نراه من تغطية إعلامية لما يجري في الساحل السوري أو الجبل (السويداء)، أو التعامل مع الملف الكردي، يعكس أحيانًا قلبًا للحقائق، حيث يتم اختزال طوائف بأكملها بجرائم فردٍ أو سلطة غاشمة. إن “شيطنة” الكرد أو العلويين أو الدروز بسبب مواقف سياسية، ومحاولة تلميع صور شخصيات كانت حتى الأمس القريب غارقة في التشدد والإرهاب، هو مسارٌ لا يخدم الاستقرار ولا ينسجم مع رؤيتكم التحديثية. إن المجتمعات الحرة لا تُبنى على الإقصاء، والظلم لا دين له ولا طائفة، والمتضرر الأول من استبداد النظام السابق كانت بيئته الحاضنة قبل غيرها.

أما الهمسة الثانية، فتتعلق بالأدوات المعرفية التي نأمل أن تمدونا بها. لقد استبشرنا خيرًا بالانفتاح المعرفي، ولكننا تفاجأنا -وهنا العتب المحب- بأن الهدية المرسلة إلى سوريا كانت أطنانًا من كتب “ابن تيمية”، في وقتٍ نحن فيه بأمس الحاجة إلى كتب الفيزياء الكمومية، وعلوم الفلك، والفلسفة، ومراجع الذكاء الاصطناعي.

لقد عانى الشعب السوري لعقود من “هيئة الأمر بالقومية والنهي عن الإمبريالية” التي فرضها حزب البعث وعائلة الأسد، ونحن اليوم نخشى أن نستبدل استبدادًا قوميًا بآخر ديني. إن الخلاص من النظام الأمني لا يعني الوقوع في فخ الإمارة الدينية التي تسير وفق فتاوى القرون الوسطى. نحن نريد لسوريا المستقبل أن تكون دولة مدنية حديثة، تحاكي “نيوم” في حداثتها، لا أن تعود إلى دهاليز التاريخ المظلمة. إن العقل السوري توّاق للعلم والمعرفة الحديثة التي تخرجنا من المستنقع، لا الفتاوى التي قد تعيد إنتاجه بوجوه جديدة.ولا نريد منكم أن تصدروا لنا “هيئة الأمر بالمعروف”، بعدما منعتوهاعلى أرض المملكة.

واستكمالًا لهذا العتب الممزوج بالأمل، فإننا نطرح مقترحًا نراه ضروريًا للتعافي النفسي للمواطن السوري. كما أطلقتم العنان لـ “هيئة الترفيه” لترسم البسمة على وجوه السعوديين، فإن السوريين الذين أنهكتهم سنوات الحرب والدمار أحوج ما يكونون لمثل هذه المبادرات.

نتمنى أن توجهوا “وزراء السعادة” لديكم لرعاية مهرجانات للفرح والحياة في سوريا، مهرجانات تعيد للإنسان السوري توازنه، وتمسح غبار الحزن عن وجهه. إن ترميم الحجر في سوريا قد يأخذ وقتًا، ولكن ترميم البشر وإعادة الأمل والابتسامة هو المهمة الأصعب والأسمى.

يا صاحب السمو، إن التاريخ يعلمنا أن لغة الاستعلاء والتهديد، التي مارستها عائلة الأسد طويلًا، كانت سببًا في نهايتها الأخلاقية والسياسية وسقوط هيبتها. لذا، فإننا نأمل منكم، بحكمتكم وموقعكم، وكذلك بعض الدول العربية الأخرى مثل مصر، الضغط على من يتصدر المشهد في المناطق التي تملكون تأثيرًا فيها، ليتواضعوا ويفتحوا قنوات الحوار مع كافة مكونات المجتمع السوري. إن سوريا لا تُحكم إلا بالتوافق والمحبة، ولا تبنى إلا بسواعد جميع أبنائها دون إقصاء.

هذه كلماتٌ خرجت من القلب، عتبُ مُحبٍ يرى فيكم القدوة في التحديث، ويرجو أن ينعكس هذا التحديث نُورًا وعلمًا وانفتاحًا على سوريا، لنتشارك معًا في صناعة مستقبلٍ مشرق يليق بشعوبنا، بعيدًا عن كهوف الظلام وأقبية الاستبداد.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير

to top