الحدث – القاهرة
يأتي اتّفاق وقف إطلاق النّار بين الحكومة المؤقتة وقوات سوريا الدّيمقراطيّة وسط ترحيب إقليمي ودولي واسع، وسط آمال بتعزيز الاستقرار وفتح صفحة جديدة للحلّ السّياسي في سوريا.
سادَتْ حالةٌ من الارتياح الإقليمي والدّولي أمام المرونة التّي أبدَتْها قوات سوريا الدّيمقراطيّة “قسد” في المفاوضات مع حكومة دمشق المؤقتة، على نحو قاد للتوصل إلى اتّفاق شامل لوقف إطلاق النّار، يتضمن تفاهمات حول دمج تدريجي للقوات العسكريّة والإداريّة بين الجانبين، في إطار خطوات تهدف إلى توحيد الجهود وتعزيز الاستقرار في المنطقة.
وبموجب هذه التّفاهمات، وبحسب ما أفاد به المركز الإعلامي لقوات سوريا الدّيمقراطيّة، يشمل الاتّفاق انسحاب القوات العسكريّة من نقاط التّماس، ودخول قوات الأمن التّابعة لوزارة الدّاخليّة إلى مركزي مدينتي الحسكة وقامشلو، إلى جانب بدء عمليّة دمج الأجهزة الأمنيّة في المنطقة، كما ينصّ على تشكيل فرقة عسكريّة تضمّ ثلاثُ ألوية من قوات سوريا الدّيمقراطيّة، إضافةً إلى تشكيل لواء لقوات كوباني ضمن فرقة عسكريّة تتبع لمحافظة حلب.
أبرز المواقف
ففي بيان لوزارة الخارجيّة السّعوديّة، رحّبت المملكة بالاتّفاق، حيثُ أعربت عن أملها في أن يُسهِم هذا الاتّفاق في دعم مسيرة سوريا نحو السّلام والأمن والاستقرار، بما يُحقّق تطلّعات الشّعب السّوري ويعزّز وحدته الوطنيّة، مثمنةً تجاوب طرفي الأزمة مع المساعي السّعوديّة، بالإضافة إلى الجهود التي بذلَتْها الولايات المتّحدة الأمريكيّة لتثبيت التهدئة والتوصُّل إلى هذا الاتّفاق.
فيما قال توماس باراك، مبعوث الولايات المتّحدة إلى سوريا، إنَّ الاتّفاق يُمثّل محطّة عميقة وتاريخيّة في مسيرة سوريا نحو المصالحة الوطنيّة والوحدة والاستقرار المُستدام، وأوضح أنَّ هذا الإنجاز، الذي جاء ثمرة مفاوضات دقيقة وبناءً على أُطُر سابقة وجهود حثيثة لخفض التّصعيد، يُجسّد التزاماً مشتركاً بالشّمول والاحترام المتبادل وصون الكرامة الجماعيّة لجميع مكوّنات الشّعب السّوري، وفيما يتعلّق بالشّعب الكردي، أشار إلى أنَّ لهذه اللحظة دلالة خاصّة، في ظلّ التّضحيات الاستثنائيّة والصّمود الثّابت في مواجهة التّطرُّف وحماية الفئات الأكثر ضعفاً، معتبراً أنَّ التّطبيق الأخير للمرسوم الرّئاسي رقم 13 يُمثّل خطوة تحوّليّة نحو المساواة والانتماء.
ورحّب الرئيسان المشتركان لحزب المساواة وديمقراطيّة الشّعوب في تركيا، تولاي حاتم أوغولاري وتونجر بكرخان، بالاتّفاق ووصفاه بأنَّهُ “مصدر للفرح”، مؤكّدين أنَّ “إرادة روج آفا أساسيّة بالنّسبة لنا”، وتابعا بالقول: “لطالما أكّدْنا على ضرورة حلّ المشاكل من خلال التفاوض والحوار، ونحن نتمسَّك بهذا المبدأ اليوم”، كما أشادا بمقاومة الشّعوب التي خرجَتْ في كلّ مكان دعماً لـ”روج آفا”.
كما رحّب رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني بالاتّفاق المُبرَم، مضيفاً أنّ هذا الاتّفاق يُعدّ خطوة مهمّة وصحيحة باتجاه حلّ سلمي وإنهاء حالة التّعقيد والأزمات، مؤكّداً أنَّ الإقليم شدّد دائماً على أنَّ الحوار والتّفاهم والحلّ السّياسي هو السّبيل الوحيد للتوصُّل إلى حلّ دائم يراعي مصالح جميع الأطراف.
الكرة في ملعب الحكومة المؤقتة
ومع ذلك، فإنَّ هذا التّرحيب الدّولي يرافقه ترقُّب حذر يضع “الكرة في ملعب الحكومة المؤقّتة” بشكلٍ مباشر، فالتجارب السّابقة التي شهدت خروقات متكرّرة من جانبها لاتّفاقات وقف إطلاق النّار، تجعلها اليوم تحت مجهر الاختبار، وبالتّالي، فإنَّ الالتزام ببنود هذا الاتّفاق الشّامل يتطلّب من الحكومة المؤقّتة إبداء جدّية سياسيّة وميدانيّة تتجاوز الوعود اللفظيّة، لضمان عدم انهيار هذا المسار التّاريخي.
وبلا شك، فإنّ نجاح عمليّة الدّمج المؤسّساتي والأمني المتّفَق عليها سيُمثّل الاختبار الحقيقي لمصداقيّة الحكومة المؤقّتة في رغبتها بتحقيق سلام مُستدام، والانتقال بسوريا من مرحلة الصّراع إلى مرحلة البناء والاستقرار الشّامل.
في هذا السّياق، يعتبر الكاتب الصحفي المصري وليد الرّمالي، في اتصال هاتفي لوكالة فرات للأنباء (ANF)أنَّ هذا الاتفاق يضع الكرة في ملعب الحكومة المؤقّتة، ليس للالتزام باتفاق وقف إطلاق النّار فحسب مع المكوّن الكردي، وإنَّما لإعادة الّنظر في إخفاقات المرحلة الانتقاليّة ككلّ، والتخلّي عن منطق اللون الواحد والأحاديّة والإقصاء، ودعا إلى “صفحة جديدة” – على حدّ تعبيره – من قبل حكومة دمشق تجاه المكوّنات السّورية.
حسابات النّظام وتركيا
لكنّ الدّكتور طارق فهمي، خبير شؤون الشّرق الأوسط، حذّر بدوره من طبيعة العلاقة بين النّظام الحالي في دمشق وتركيا، إذ يقول، في حديث لوكالة فرات للأنباء (ANF)، إنَّ الإشكاليّة أنَّ القرار في سوريا، وتحديداً فيما يخصّ الكرد، ليس قرار أحمد الشّرع، وإنَّما يأتي من أنقرة، منوهاً في هذا السّياق إلى أنَّ النّظام ليس وحده الضامن للتمسّك بهذا الاتّفاق، والتّي ربّما تفرض عليه عدم الإقدام على خطوات معينة بشأن الاتّفاق يمكن أنْ تُفهم على أنَّها “تنازلات”.
ويرى الخبير السّياسي البارز أنَّ “الاتّفاق ربما ينجح ويصمد ويستمرُّ، وفي الوقت نفسه يمكن اختراقه في أيّة لحظة”، معتبراً أنَّ النّجاح أو الفشل سيكون مرتبطاً بـ “ترمومتر التزام النّظام”، موضّحاً أنَّ حكومة دمشق مطالبة بتقديم تنازلات حقيقيّة لكي تستوعب الواقع الذي يقول إنَّ “قسد مركز قوّة وتأثير”، وأنَّ فكرة الاستقواء بالخارج لن تفيده، ولن تُحقّق الاستقرار لسوريا.
الخلاصة، أنَّهُ في ضوء هذا الاتّفاق، تبقى الأنظار متّجهة إلى الحكومة المؤقّتة لاختبار مدى جدّيتها في تنفيذ التعهُّدات وتحويل التّفاهمات إلى واقع ملموس، بعيداً عن الحسابات الضيّقة والتّدخُّلات الخارجيّة، فنجاح هذا المسار لا يرتبط فقط بوقف إطلاق النّار، بل بترسيخ الثِّقة، وتعزيز الشّراكة الوطنيّة، وضمان حقوق جميع المكوّنات، بما يفتح الطّريق أمام سلام مُستدام يُعيد لسوريا استقرارها ووحدتها.