الحدث – القاهرة – بقلم د/ شيرين محمد المصري
لم تكن اللغة العربية يومًا مجرد أداة تواصل، بل كانت ــ وما زالت ــ مرآةً للهوية، ومستودعًا للذاكرة، وجسرًا يصل حاضرنا بماضٍ من البيان والفصاحة. ومع ذلك، نجد أنفسنا اليوم أمام ظاهرة تتنامى بصمت وهي “الأخطاء اللغوية” التي لم تعد استثناءً، بل أصبحت عادة يومية تُرتكب في الحديث والكتابة لا سيما على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت الأخطاء اللغوية مألوفة إلى درجة أننا بدأنا نتعايش معها وكأنها جزء طبيعي من حياتنا.
تتكرر الأخطاء، لا لأنها صعبة التصحيح بل لأننا أصبحنا نتهاون في حق اللغة العربية، لغة الجمال والكمال، لغة القرآن الكريم.
ليس عيبًا أن نُخطئ، لكن العيب أن نصمت عن الخطأ أو نعرف الصواب ولا نهتم بإصلاحه، وننسى أن الخطأ في لغتنا خطأ في حقنا نحن.
فإن الخطأ جزء من التعلّم، أما تجاهله فهو استهانة بالكلمة وبقيمتها، وإقرار ضمني بأن اللغة يمكن أن تُترك للإهمال.
والمؤسف أن الخطأ اللغوي لم يعد يوقظ الوعي لدى كثيرين، بل أضحى مألوفًا لدرجة أن التنبيه إليه يُعَدّ تشددًا غير مرغوب فيه، وأن الدفاع عن اللغة يُتَّهم أحيانًا بأنه تعقيد أو “تنظير”. هكذا تراجعت هيبة الكلمة، وتقدّم الاستسهال، حتى صارت العربية ــ بثرائها ــ ضحية هذا التهاون اليومي.
ولعلّ ما نراه في تجارب بعض الشعوب يؤكد خطورة هذا التراجع؛ فالألمان مثلًا يعتزون بلغتهم إلى حدّ أنهم لا يفضّلون استخدام غيرها داخل بلدهم، ويُعَدّ احترام اللغة جزءًا أصيلًا من ثقافتهم اليومية، هذا الاعتزاز انعكس على الصناعة والاقتصاد أيضًا؛ إذ حافظوا على صناعات خاصة بهم، وعلى معايير صارمة في الماكينات والتقنيات التي تُنسب إليهم وحدهم، حتى أصبح المنتج الألماني علامة قوة لا تُخطئها العين.
إن حماية اللغة هناك ليست مسألة لغوية فقط، بل حجر أساس في بناء هوية قوية واقتصاد متماسك، بينما نحن ما زلنا نتهاون في كل ما يشكّل هويتنا، وكأن التفريط في اللغة لا يجرّ خلفه تفريطًا في غيرها.
ويبقى السؤال اليوم:
حين يصبح الخطأ عادة… من يعتذر للكلمة؟
من يعتذر للغة إذا أهملنا قواعدها؟
من يعتذر للحرف إذا شوّهناه؟
ومن يعيد للعربية حقها إذا جعلنا الصحيح غريبًا، والخطأ مألوفًا؟
الاعتذار الحقيقي لا يكون بكلمات، بل بالفعل: في أن نُصلح ما نستطيع، ونُذكّر أنفسنا والآخرين بأن العربية ليست ترفًا ثقافيًا، بل هي جزء من كياننا. الاعتذار يكون في تبنّي الدقة لا التعقيد، وفي احترام اللغة لا التشدّد، وفي أن نمنح الكلمة وقتها وحقها قبل أن نطلقها.
وليس المطلوب أن نتحوّل إلى حُرّاس صارمين يطاردون الأخطاء في كل زاوية، بل أن نستعيد الحدّ الأدنى من الوعي اللغوي؛ هذا الحس الداخلي الذي يجعلنا نتوقف عند الخطأ لا لنسخر، بل لنُصلح، ونفعل ذلك بدافع الحب لا الإلزام.
فاللغة التي منحتنا القدرة على التعبير لا ينبغي أن تُعامل باستخفاف، والكلمة التي حملت تاريخنا تستحق أن نحميها، والخطأ حين يصبح عادة… يصبح بداية فقدان الهوية.
فلنعتذر للكلمة بالفعل قبل القول، ولنمنح اللغة العربية ما تستحقه من عناية ووعي ومسؤولية.