الحدث – القاهرة
معالي الوزيرة الدكتورة نيفين القباج،
السيدات والسادة الضيوف المحترمين الذين شرفونا بالمشاركة في هذا اللقاء الأول.
دعوني اعبر في البداية عن أمتناني للدكتورة نيفين، وللوقت الذي قضته معنا في جلسات متتالية نتفكر ونتدبر كيف يخرج هذا المشروع ومحتوياته وأفكاره؛ فهي لا تمثل فقط جهة حكومية ترعى المشروع، لكنها أسهمت أيضًا بأفكار، لذلك أعبر عن امتناني للدور الذي فعلته معنا في هذا المشروع.
عندما عرضت علينا الفكرة في المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، وعلى الدكتور خالد عكاشة والهيئة الاستشارية، التقطناها بحماس شديد، لأن الموضوع في غاية الأهمية، نظرًا لوجود تقصير في بلدنا في دراسة هذه الظاهرة، رغم أننا من أكثر البلدان التي تعاني من نتائجها وأثارها، فالإرهاب ظاهرة موجودة في كل العالم، لا يكاد هناك بلد نجت من الإرهاب، لكن أيضًا البلاد الإسلامية هي الأكثر تأثرًا بهذه الظاهرة، حيث إن العدد الأكبر من الضحايا يقع في البلاد الإسلامية، والتكلفة الاقتصادية الأكبر تقع في البلاد الإسلامية، فهذه المجتمعات تدفع ثمن باهظ أكثر من المجتمعات الأخرى.
وبالتالي، من الطبيعي والمنطقي أن تكون هذه الظاهرة على أولياتنا البحثية والدراسة، وأن نكون مصدر رئيسي لإنتاج المعرفة المتعلقة بدراسة الإرهاب، أكثر من غيرنا من الأمم الذين بالتأكيد يتأثرون بها لكن بدرجة أقل. لكن للأسف هذا ليس حادثًا، فمنطقتنا ليست المصدر الرئيسي لإنتاج المعرفة العلمية الرصينة المؤسسة على مدارس وعلم الاجتماع، وهذا المشروع يمنحنا فرصة لاستعادة المبادرة وتقديم إسهام وخلق تراكم، نظرًا لوجود تقصير في هذا الملف.
غياب جهد كافي من باحثين عرب في مجتمعات مسلمة في دراسة هذه الظاهرة، ليس فقط من أبعاد سياسية، لكن أيضًا تشريحها وتحليلها بكافة أبعادها، هذا الغياب حرمنا من تقديم سرديتنا عن هذه الظاهرة رغم مركزيتها في تطورنا الفكري والاقتصادي والاجتماعي والسياسي، سومحت لآخرين من مجتمعات أخرى، وبالتحديد المجتمعات الغربية التي تمتلك مؤسسات بحثية وعلمية، ولديها تقاليد وسطوة في العالم، سمح لهذه الجهات البحثية والمنتجة للمعرفة في الدول الغربية بتقديم سردياتهم وفرضها علينا.
أتصور أن هذا الجهد البحثي الذي نقدمه في محاولة منا لعرض سرديتنا الخاصة لهذه القضية، سردية مش فقط في إطار المحاكاة الفكرية، إنما في إطار موضعة الإرهاب والتطرف في تطورنا الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي، بشكل عام.
هذه الظاهرة تؤثر فينا على جميع المناحي اقتصاديًا مؤكد في هدر الموارد والتكلفة وهذا متضمن في هذا المشروع، واجتماعيًا لتطرف والإرهاب يمزج النسيج الإرهابي ويخلق حواجز بين أبناء الأمة، وهذه التكلفة تكبح تقدم المجتمع، وهذا أيضًا مشمول في بحثنا.
الإرهاب والتطرف يفرض محاذير ويفرض مخاطر تجربنا على اتخاذ إجراءات تحوطية لتوفير الأمن والأمان، والحصلة هي منع وإعاقة وتأخير النضج السياسي للمجتمع والمجتمع المدني؛ فكل قمع وإعاقة هي حجب للأفكار والتعبير عنها وحرية واحترام، ناتج عن سيادة أفكار التطرف، وهذا بالتأكيد تكلفة ثقافية يتحملها مجتمعنا من تأخر في إنتاج الأفكار والثقافة، وهذا له صلة بالسطوة التي تمتعت بها الجماعات الإرهابية والتيارات المتطرفة في بلدنا. وكل هذا كان له تكلفة وكل هذه مكونات في السردية التي يحاول تطويرها هذا البحث.
الإرهاب بمعني العمل العنيف هو قمة جبل الجليد لظاهرة كبيرة جدًا الجزء الأعظم منها مخفي تحت سطح الماء، وله جذور في المجتمع والثقافة والاقتصاد، وفي اللحظة التي يتورط فيها فرد أو مواطن يشترك في جماعة إرهابية تسبقها خطوات كثيرة جدًا، وهذا مجال شغلنا، عندما يصل الفرد إلى التورط في العنف والإرهاب، فالبتأكيد هذه قضية أمنية لكن جبل الجليد المخفي قضية مجتمعية بحثية معرفي، وأتمني أن يكون بحثتنا يساهم في هذا المجال.
مصر تعاني من الإرهاب منذ عقود طويلة، مثلما أشار الدكتور خالد عكاشة، منذ الأربعينيات عندما حدثت أول الأعمال الإرهابية واستمرت بعد ذلك، بما يشير إلى أن الأمر مستمر معنا لفترة طويلة، وليس علينا أن نتصور أن هناك جهدًا واحدًا سيقدم كل الإجابات أو سيكون كافيًا لتمكينا من التعامل مع هذه الظاهرة الآن ولفترات طويلة في المستقبل. بالعكس، الإرهاب سوف يستمر لفترات طويلة وبالتالي علينا أن تواصل الجهد وتقديم التحليل، وعلينا التعامل مع أي نتيجة نصل إليها في هذا البحث على أنها أفضل نتيجة استطعنا الوصول إليها في هذا الوقت، لكن علينا بذل المزيد من الجهد للوصول إلى فهم افضل، وتجديد المعرفة لأن هذه الظاهرة تتجدد وتغير جلدها وشكلها طوال الوقت.
مكافحة الإرهاب قضية لا تتعلق فقط بالأمن، وإنما بجهود وزارات وجهات حكومية عديد، وليست مصادفة أن يضع التكليف الرئاسي لبحث في يد وزارة التضامن الاجتماعي، نظرًا للأبعاد ليست فقط الأمنية لهذه الظاهرة، وهذا يشمل كل الوزارات المعنية بقضايا التنمية والوعي، فهما العمودان الرئيسيان الذي إذا حدث تقصير بهمها يخلق الإرهاب، والنجاح في الأداء فيها بشكل جيد تساهم في محاصرة الإرهاب والسيطرة عليه.
خلال جلسة اليوم وهي أول لقاء عام نعقده علنًا، بعد لقاءات كثيرة عُقدت مع الوزيرة والهيئة الاستشارية للمشروع، ومنهم الأساتذة الحاضرين معنا، كالدكتور مفيد شهاب، والدكتور أحمد زايد، والدكتور علي الدين هلال. وهناك فرصة اليوم لمشاركتهم التي سوف تزداد خلال الفترة القادمة.
هذه الجلسة ستركز على المحاور الرئيسية الأربعة للمشروع، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وسوف تناقش المناسبات القادمة بقية الجهد الرائع الذي قدمه العديد من الأستاذة والبحثين، كالدكتور أحمد مجاهد، والدكتور عبد الباسط هيكل، والدكتورة نادية رفعت، والدكتورة دلال محمود.
يوم واحد مضت