الأحد 30 نوفمبر 2025
القاهرة °C

كلمـــــة النائب/ محمــد أبــو العينيــن رئيس الجمعية البرلمانية للاتحاد من أجل المتوسط خـــلال افتتــــاح منتــــدى قمــــة رؤســـاء البرلمانــــات تعزيز التعاون الاقتصادي بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط: إحياء عملية برشلونة في ذكراها الثلاثين

الحدث – القاهرة

أصحـــاب الفخامــة والمعالــي
معالـي رئيسـة الاتحـاد البرلمانـي الدولـي
معالـي رئيـس البرلمــان العربـي
معالـي رؤســاء البرلمانــات
معالـــي رؤســاء الوفـــود
معالــي أعضــاء البرلمانـــات
السيـــدات والســـادة
يسعدني ويشرّفني أن أرحب بكم جميعًا، وأعبّر عن تقديري وشكري العميق لمشاركتكم.
أرحب بكم في مجلس النواب المصري، أعرق برلمانات الشرق الأوسط، وفي مصر — مهد الحضارة،
وجسر التواصل بين الشرق والغرب منذ آلاف السنين.
متمنيًا لكم إقامة طيبة ومنتدى ناجحًا.
نحن نحتفل بمرور ثلاثين عامًا على إطلاق عملية برشلونة؛
تلك المبادرة الجريئة والمستنيرة التي اختارت فيها
دول ضفتي المتوسط أن تجعل من هذا البحر فضاءً للسلام والتعاون والازدهار المشترك، لا خطــا للفصـــل والصــراع.
السيـــدات والســـادة
قبل ثلاثة عقود، تبلورت رؤيتنا المشتركة في ثلاثة عناوين كبرى:
• ســــلام وأمـــن واستقــــرار سياســـــي؛
• شراكــــة اقتصاديــة وتنمويــــة متوازنـــــة؛
• وتقـــارب إنسانـــي وثقافــي بيـــن شعوبنـــا.
وخلال هذه السنوات، نجحنا معاً في تأسيس الاتحاد من أجل المتوسط، وبعده البرلماني الذي تمثله جمعيتنا، وإنشاء أمانة عامة نشطة، وأن نُرسخ شبكات واسعة من الحوار،
وأن نٌطلق مبادرات عملية في مجالات الطاقة والبيئة والمناخ، والربط والبنية التحتية، والتعليم والشباب والمرأة،
والحـــوار بيـــن الثقافـــات.
لقد أثبتت هذه المسيرة أن التعاون المتعدد الأطراف
ليس ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة استراتيجية لمصالح جميع دولنا، وأن الانتماء المشترك والمسؤولية المشتركة
يمكن أن يتحولا إلى برامج ومشروعات ملموسة على الأرض.
مع ذلك، فإن الأمانة التاريخية تقتضي أن نعترف أيضاً
بما لم يتحقق بعد. فالفجوة التنموية بين الشمال والجنوب
ما زالت قائمة، بل اتسعت في بعض المجالات، والصراعات المزمنة
في منطقتنا لم تجد طريقًا نهائيًا نحو تسوية عادلة ودائمة، والبطالة – خاصة بين الشباب والنساء – لا تزال تهدد الاستقرار الاجتماعي، كما أن الهجرة غير النظامية مـا زالت تحصد أرواحًا
على شواطئنا، في وقت يضغط فيه تغيّر المناخ على مواردنا المائية والغذائية وعلى مدننا الساحلية.
هذه التحديات لا تقلل من تأثير إعلان برشلونة، بل تؤكد الحاجة إلى تجديد التزامنا بمبادئه، لتحقيق كل ما طمحنا إليه من استقرار وازدهار.
السيـــدات والســـادة
اليوم، ونحن نرحب بإطلاق الميثاق الجديد من أجل المتوسط،
نجــــدّد الوعـــد ولا نكـــرّر الأخطــــاء.
هذا الميثاق يحمل طموحاً واضحاً. ويوفّر إطاراً سياسياً
مُحدَّثاً لشراكتنا.. يربط بين الاستثمار والانتقال الأخضر والرقمي..
وبين خلق فرص عمل لائقة – خاصة للشباب والنساء – وبين إدارة الهجرة على أساس الحقوق والكرامة الإنسانية، في إطار من الأمن والاستقرار واحترام سيادة الدول… وهو يقرّ بأن أمننا وتنميتنا مترابطان، وأن المتوسط بحر واحد ومسؤولية واحدة ومستقبل واحد.
لكن نجاح هذا الميثاق لن يُقاس بجمال نصوصه، بل بنتائجه الملموسة، وبل بقدرته على أن يتحول إلى عقد أكثر توازناً بين ضفتي المتوسط، يعكس أولويات الجميع، ويستند إلى المسؤولية المشتركة والفرص المشتركة.
ويتطلّب ذلك أن تتحول “الملكية المشتركة” من تعبير نظري
إلى ممارسة فعلية: مشاركة حقيقية في تحديد الأولويات،
وفي اختيار أدوات التنفيذ، وفي تقييم النتائج وتصحيح المسار.
كما يتطلب ترجمة الميثاق إلى، تمويل عادل غير مُرهِق بالديون، وإلى تدفق كبير للاستثمار من الشمال إلى الجنوب،
وإلى نقل فعلي للتكنولوجيا المتطورة، وبناء فضاء اقتصادي أورومتوسطي واحد يقوم على سلاسل قيمة مشتركة،
وتعليم عصري، وبناء المهارات الرقمية والخضراء،
وفرصاً حقيقية لريادة الأعمال، ومعالجة جادة لجذور الأزمات
لا الاكتفاء بإدارة نتائجها.
مع وجود خطة عمل محددة وآليات متابعة وحوكمة واضحة، تضمن تحويل الميثاق إلى التزام ملموس، يُقاس بالمشروعات
على الأرض، وبشعور المواطن بأن التعاون الأورومتوسطي ينعكس على حياته اليومية وأمنه وكرامته.

أصحـــاب الفخامــة والمعالــي
لا يمكن أن نتحدث عن مستقبل المتوسط، ولا عن ميثاق جديد للسلام والتنمية، من دون التوقف أمام الجرح النازف
في قلب منطقتنا: النزاع العربي الإسرائيلي، وما شهدته غزة من حرب مدمرة وإبادة جماعية، خلّفت أعداداً هائلة من الضحايا الأبرياء نساء وأطفال قتلى وجرحى ونازحين ومجوعين،
ودماراً واسعاً في البنية التحتية والحياة المدنية.
إن ما حدث في غزة اختبار لإنسانيتنا ولقدرة المجتمع الدولي على حماية المدنيين، واحترام القانون الدولي الإنساني، وفتح طريق حقيقي نحـــو ســلام عــــادل ودائـــم.
في هذا السياق، يكتسب مؤتمر شرم الشيخ للسلام أهمية خاصة، بوصفه منصة دولية رفيعة المستوى تُبنى على وقف إطلاق النار، وتسعى لتحويله إلى مسار سياسي مستدام.
إن انعقاد هذا المؤتمر على أرض مصر، الدولة التي حملت لعقود عبء الوساطة ومسؤولية الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
يبعث برسالة واضحة: أن منطقتنا تملك إرادة السلام،
لكنها تحتاج إلى شراكة دولية صادقة ومسؤولة.
نثمّن القيادة الحاسمة للرئيس دونالد ترامب
فـــي وقــف الحــرب وتمهيــد الطريــق للســـلام.
كما نعبر عن تقديرنا العميق للرئيس عبد الفتاح السيسي
الذي جسدت قيادته الحكيمة ورؤيته المتوازنة التزام مصر التاريخي بالسلام والأمــن الإقليمـــي.
ومن منبر الذكرى الثلاثين لعملية برشلونة، ومن موقع الجمعية البرلمانية للاتحاد من أجل المتوسط نؤكد:
1) أن أي ميثاق جديد للمتوسط لن يحقق أهداف كاملة، ما لم يضع في قلبه تسوية عادلة ودائمة للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، وفقاً للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وبما يضمن حق الشعب الفلسطيني، في البقاء على أرضه والعيش عليها في أمن وكرامة وإقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
2) دعمنا الكامل لنتائج مؤتمر شرم الشيخ للسلام، ولخطة تحقيق السلام في الشرق الأوسط، واتفاق وقف إطلاق النار.. وتأكيدنا على التنفيذ الكامل له بجميع بنوده ومراحله وصول الى تحقيق السلام العادل والدائم، ودعمنا الكامل لجهود مصر لعقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار غزة ولدعم السلطة الفلسطينية ولتمكينها من العودة لحكم غزة.
ومن المؤسف أنه رغم دخول اتفاق انهاء الحرب
حيز التنفيذ منذ أكثر من 50 يوما، مازال هناك من يسعى للعودة للحرب، ويبذل كل جهد من أجل التصعيد.
ومازالت الهجمات الإسرائيلية على غزة مستمرة،
ومازال دخول المساعدات الإنسانية مقيدًا، فيما يعاني مئات الآلاف من الفلسطينيين أوضاعًا إنسانية كارثية. خيام تغرقها الأمطار، وشعب يعيش بلا أي مقومات للحياة، أقل القليل من الطعام وبلا مستشفيات ولا مدارس ولا بنية تحتية ولا حتى ملابس ثقيلة تحمى الأطفال من برد الشتاء.
في حين تشهد الضفة الغربية تصعيد غير مسبوق فى توسيع الاستيطان عنف المستوطنين واقتحامات للمسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية والتطهير العرقي وهدم المنازل ومصادرة الأراضي وإقامة الحواجز…
وتتصاعد الهجمات الإسرائيلية على لبنان وتتوسع إسرائيل في احتلال المزيد من الأراضي السورية.
إن كل هذه لأفعال تنتهك القانون الدولي وتدمر الثقة وتقوّض فرص السلام. فالسلام لا يُصنع على الورق،
بل بالفعل والالتزام واحترام الكرامة الإنسانية.
إن الحفاظ على مسار السلام مسئولية دولية، وندعو المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل للاحترام الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وفتح جميع معابرها لدخول جميع المساعدات الى غزة دون قيود، ووقف جميع إجراءاتها الأحادية في الضفة الغربية، واحترام سيادة لبنان وسوريا ووقف الهجمات على أراضيهما.
نؤكد رفضا لأي مخططات للتهجير والضم في غزة
والضفة الغربية والقدس الشرقية،
إن تحقيق السلام ممكن إذا توافرت الإرادة والقيادة الشجاعة. لقد اعترفت 150 دولة بدولة فلسطين، واعتمدت 142 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة مخرجات مؤتمر حل الدولتين. أكثر من 1000 قرار من الأمم المتحدة يطالب بنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير المشروع للأراضي الفلسطينية والعربية.
نوجه رسالة للحكومة الإسرائيلية: استجيبوا لنداء السلام… اجلسوا إلى طاولة المفاوضات. العرب جميعًا يريدون السلام العادل والدائم والشامل ومستعدون لتوقيع اتفاقيات سلام وتعاون فورا. فقط يريدون إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بجوار إسرائيل.
السلام العادل في مصلحة إسرائيل وفلسطين والمنطقة والعالم.
الحرب والاحتلال، لا تصنع سلاما ولا توفر أمنا، بل تغذي دوامة الكراهية والعنف، وتفتح أبواب الانتقام والمقاومة التي لن تغلق طالما بقي الاحتلال.
السلام لن يتحقق إلا بالمفاوضات والالتزام بالعدالة،
وإنهاء الاحتلال الذي هو سبب كل المشكلات في المنطقة،
وتمكين الفلسطينيين من حقهم المشروع في إقامة دولتهم المستقلة.
السيــدات والســادة
إن الاستقرار في حوض المتوسط يقتضي تحقيق السلام
فـــي جــواره الجغرافــي.
ندعو إلى وقف فورى وشامل لإطلاق النار في السودان
وفتح ممرات إنسانية لإغاثة ملايين المتضررين والنازحين وتهيئة الظروف لإطلاق عملية سياسية شاملة تحفظ وحدة السودان وسيادته واستقراره وسلامة مؤسساته الوطنية
كما ندعم جهود الأمم المتحدة للوصول لحل شامل
للأزمة الليبية يفضي لتوحيد مؤسسات الدولة والحفاظ على وحدة أراضيها وتهيئة الأجواء لإجراء انتخابات حرة رئاسية وبرلمانية تعبر عن إرادة الشعب الليبي.
وفيما يخص الأمن المائي، وبالنظر الى أن نهر النيل شريان الحياة للشعب المصري وحق مصر في حماية أمنها المائي، نؤكد على أهمية التعاون في حوض النيل وفقاً للقانون الدولي وفق مبادئ الاخطار المسبق وعدم الضرر، مع الرفض التام للإجراءات الأحادية المخالفة للقانون الدولي وللاتفاقيات الدولية التي تقوم بها أثيوبيا فيما يخص سد النهضة.
كما نشدد على أهمية تأمين حرية الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس التي تمثل شريان الاقتصاد العالمي
السيـــدات والســـادة
إن التحديات التي نواجهها لتحقيق رؤية هذا الميثاق الجديد
أكبر من أي دولة منفردة، لكنها ليست أكبر من إرادتنا المشتركة.
مسؤوليتنا، كبرلمانيين، ليست فقط في التشخيص، بل في الفعل:
• أن نربط كل إعلان سياسي بخارطة طريق تشريعية ورقابية واضحة: قوانين، موازنات، آليات متابعة، جلسات استماع، وتقارير دورية.. حتى لا تبقى التعهدات حِبراً على ورق
• وأن نبقى الجسر المفتوح بين شعوبنا وحكوماتنا، ننقل تطلعات المواطنين، ونحمي صوتهم في مسار الشراكة الأورومتوسطية.
في إطار رئاسة مصر للجمعية البرلمانية للاتحاد من أجل المتوسط،
نلتزم بالعمل معاً، لجعل جمعيتنا منبرا برلمانيا مستقلا ونزيهًا لجميع الدول الأعضاء، وتعزيز ممارسته للدبلوماسية البرلمانية، سعياً إلى إيجاد حلول سياسية للنزاعات في إطار من احترام الشرعية الدولية وحقوق الشعوب وتطلعاتها المشروعة لمستقبل أفضل.
ويأتي في صلب أولوياتنا تأسيس آلية برلمانية دائمة لمتابعة تنفيذ الالتزامات السياسية المنصوص عليها في الميثاق، تضم ممثلين من لجان الجمعية المتخصصة وتصدر تقريراً سنوياً يُعرض في الجلسة العامة ويُرفع إلى الحكومات والمؤسسات المعنية.
السيـــدات والســـادة
لقد انطلقت مسيرتنا من برشلونة قبل ثلاثين عامًا
برؤية جريئة. واليوم يمنحنا المستقبل فرصة جديدة
لنثبـــت أننــا استفدنـا مـن دروس الماضـــي.
وإذا نجحنا في تحويل الميثاق الجديد إلى أفعال،
وفي جعل مؤتمر شرم الشيخ خطوة مفصلية على طريق السلام العادل، فإن الذكرى الثلاثين لن تكون محطة احتفال بالماضي،
بل نقطة انطلاق لمرحلة أكثر توازنًا وعدالة وجرأة
فـــي تاريـــخ شراكتنـــا الأورومتوسطيـــة.
المتوسط يستحق أن يكون بحراً للسلام لا للحرب،
وللشراكة لا للهيمنة، وللأمل لا لليأس.
شكـــراً لكـــم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

to top