الحدث – القاهرة
على أنغام الأغاني الكردية، وفي إحدى الساحات الأوروبية الهادئة، البعيدة عن جبال كردستان ووديانها، وعن قامشلو وجمالها، خرج الطفل الكردي الصغير جودي، محتفلاً بعيد النوروز ، يمشي (الهوينا) بخطوات بطيئة، لكنها مفعمة بالثقة.
كان جودي (الذي لم يتجاوز عمره خمسة عشر شهراً) يرتدي زيه الكردي التقليدي الصغير، وقد بدت عليه ملامح الفخر البريء، كأنه يدرك – بطريقته الطفولية الخاصة – أنه لا يمشي في ساحة عادية، بل في ذاكرة شعب كامل.
يتحرك جودي بخطوات قصيرة فوق حجارة الساحة الرمادية، بينما يلف خصره حزام كردي ملوّن، وتغطي رأسه قبعة سوداء صغيرة، وعلى كتفيه كوفية كردية تذكّر بالجبال الشامخة والعائلة البعيدة.
على ملامحه تظهر معاني الفخر والعزة، وفي عينيه دهشة العالم الذي يكتشفه للمرة الأولى. لكنه في تلك اللحظة لم يكن مجرد طفل يتعلم المشي، بل صورة معبّرة تختصر حكاية شعب كامل، يحمل هويته حتى قبل أن يتعلم نطق اسمه.
في هذه الأيام، يحتفل الكرد في كل مكان بعيد النوروز؛ العيد الذي لا يرمز فقط لبداية الربيع، بل يمثل ميلاد فجر جديد واستمرارية الأمل، وتجديد العهد بأن الإرادة التي لا تعرف الخنوع قادرة على أن تكتب فصول الحكاية من جديد كل عام.
فالنوروز بالنسبة للكرد ليس مجرد طقس اجتماعي، بل هو عنوان للحرية وتذكير دائم بأن الشعوب التي تحافظ على ذاكرتها لا يمكن أن تضيع في زحام التاريخ.
وحين يرتدي طفل مثل جودي الزي الكردي في هذا اليوم، فإن الأمر يتجاوز حدود الاحتفال العابر؛ إنه فعل تربوي عميق، وربما رسالة صامتة تقول إن الهوية لا تبدأ في المدارس ولا في الكتب، بل تبدأ في البيت، في حضن الأم، وفي يد الأب التي تمسك بيد الطفل وهو يخطو أولى خطواته في الحياة.
فالطفل الذي يتربى منذ صغره على رؤية رموز شعبه، وسماع أغانيه، وارتداء لباسه التقليدي في الأعياد والمناسبات، يكبر وهو يشعر بأن له جذوراً ضاربة في الأرض، وأنه ينتمي إلى قصة أكبر من عمره؛ قصة فيها الكثير من الألم والأمل والتضحية والمقاومة.
وربما تبدأ رحلة جودي في البحث عن هويته منذ اسمه نفسه، لما يحمله هذا الاسم من دلالة رمزية وتاريخية عميقة في وجدان كل كردي. فالهوية التي تُزرع في الطفولة، لا تستطيع المنافي اقتلاعها.
هذه المشاعر البسيطة التي تبدأ في الطفولة تنمو كما الأزهار في البرية، ويشتد عودها كالأشجار، لتتحول لاحقاً إلى وعي، ثم إلى موقف، ثم إلى شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ وهوية وقضية.
ولعل أجمل ما في صورة جودي اليوم أنها تختصر هذه الفكرة كلها: طفل صغير يمشي بثقة في مدينة أوروبية، لكنه يحمل على كتفيه رمزية شعب عريق لم تمنعه المنافي ولا المسافات من الاحتفاظ بذاكرته. ومضى في رحلة تاريخية مستمرة تبحث عن هويته.
فالغربة قد تبعد الجغرافيا، وتغيّب الأحباب، وتشعل الاشتياق، وتسرق العمر أحياناً، ، وتسرق العمر أحياناً، وتغرقنا في تفاصيل الحياة اليومية، لكنها لا تستطيع أن تمحو الهوية حين تكون حية في وجدان الناس.
إن الآباء والأمهات الذين يحرصون على أن يرتدي أطفالهم الزي الكردي في النوروز، وأن يشاركوا في احتفالات الكرد، إنما يقومون بعمل يتجاوز بكثير حدود الاحتفال؛ فهم يزرعون في نفوس أبنائهم بذرة الانتماء، ويعلمونهم – دون خطابات طويلة – أن لهم تاريخاً وهوية وثقافة تستحق أن تُحفظ وتُروى للأجيال.
والأطفال، كما علمتنا التجارب التاريخية، هم المستقبل الحقيقي لأي قضية؛ فالشعوب التي يظل أطفالها مرتبطين بلغتها وثقافتها ورموزها لا تخشى على مصيرها مهما تعاقبت السنوات أو تكاثرت المحن.
فالخطوات الأولى للأطفال ليست دائماً مجرد بداية للمشي، بل قد تكون بداية لحكاية شعب.
لذلك، حين ننظر إلى جودي، وهو يمشي متباهياً بلباسه الكردي، قد نرى طفلاً يخطو خطواته الأولى فقط، لكن الحقيقة هي أن تلك الخطوات الصغيرة تحمل معنى أكبر مما نعتقد، وأعمق مما نتصور.
إنها باختصار ، خطوات نحو المستقبل، مستقبل يقول إن قضية شعب تعيش في ذاكرة أطفاله، لا يمكن أن تضيع، مهما تآمر الأعداء، او تجاهَل الأصدقاء.
مع حكاية الطفل جودي, كما حكاية كل كردي يتجدد نوروز الميلاد والعهد ويحيى الشعب ويكتب فصل جديد من تاريخ شعب أقسم على الخلود والعيش بكرامة وايصال رسالته في المحبة والسلام والتآخي.