الحدث – القاهرة
كثيراً ما تكون الكلمة أسبق من الرصاصة في منطقتنا التي بدأت منها اختراع الكلمة والمعنى. حيث قبل أن تسقط القنابل، تُزرع الألغام في العقول. وقبل أن تُرسم الحدود بالدم، تُرسم بالكلمات. هذا هو الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من قرن من الصراعات في الشرق الأوسط؛ أن المعركة الحقيقية لا تبدأ في ساحات القتال، بل في “المختبر اللغوي” حيث تُصنع التصنيفات، وتُبتكر التسميات، وتُصب المفاهيم في قوالب جاهزة تبرر الإقصاء وتشرعن القتل.
أن اللغة ليست أداة توصيل فحسب، بل هي سلاح استراتيجي استخدمته الأنظمة القومية والإمبريالية والطائفية على السواء. حين نطلق على مجموعة بشرية مصطلحاً معيناً، فإننا لا نصفها بقدر ما “نخلقها” وفق حاجتنا لها – خصماً، عدواً، تهديداً، أو “آخراً” يجب تطهير الفضاء منه.
لنبدأ بتأمل بسيط؛ لا يوجد شعب في التاريخ أطلق على نفسه لقب “إرهابيين” أو “انفصاليين” أو “عبدة شيطان”. هذه التسميات تأتي من “الخارج”، من طرف يملك القدرة على التعيين والتسمية – أي من يملك السلطة. والإشكالية ليست في أن الكلمات “مجرد كلمات”، بل في أنها تحمل داخلها “برنامج عمل” سياسياً وقانونياً وعسكرياً.
عندما وصفت الدولة العثمانية الأرمن بـ”الخيانة الداخلية” و”الطابور الخامس”، لم تكن هذه مجرد دعاية – كانت “تسبيقاً قانونياً” لمجازر التهجير والإبادة. عندما وُصف الآشوريون بـ”الحلفاء البريطانيين الخونة”، تحولوا من مكون أصيل إلى “هدف مشروع” في ثلاثينيات القرن الماضي. وعندما صُوّر الإيزيديون في المناهج الدراسية وبعض الخطاب الشعبي بـ”عبدة الشيطان”، صار قتلهم واستباحة نسائهم عملية “لتطهير الأرض من دنس”، كما حدث في سنجار 2014.
وحينما يصبح المصطلح كمقصلة ويجر الكلمة من التجريد إلى المجزرة، حينها يلبسها قوب “المعنى” الذي تريده السلطة. وآلية التحول من مصطلح إلى مجزرة تمر بمراحل محددة يمكن تفكيكها وتشريحهها:
المرحلة الأولى: التجريد من الإنسانية
حين نسمي إنساناً “إرهابياً” قبل أي محاكمة، أو “صفوياً” لتجريد هويته العراقية، أو “عبدة شيطان” لإنكار دينه، فإننا نسحب منه صفة “الإنسان” الذي له عائلة ومشاعر وحقوق. التجريد هو الخطوة الأولى نحو العنف، لأن الضمير الإنساني لا يسمح بقتل إنسان – لكنه يسمح “بتصفية” كيان مجرد.
المرحلة الثانية: إضفاء الشرعية القبلية
بعد أن تفشى التصنيف في الخطاب العام، يتحول إلى “حقيقة مسلّم بها”. جيل كامل يتربى على أن الكرد “انفصاليون بالدم” – أي أن صفة الانفصال ليست سلوكاً سياسياً بل جزءاً من تكوينهم البيولوجي. هنا يصبح العنف ضدهم ليس فقط مشروعاً بل “واجباً وطنياً” لردع “الفطرة الخائنة”.
المرحلة الثالثة: الترجمة إلى سياسة
تنتقل المصطلحات من المقهى والإعلام إلى غرف العمليات العسكرية ومكاتب شؤون الجنسيات. “تطهير” المناطق من “العناصر الإرهابية” (السنة)، أو “إعادة الاستيطان” على حساب “الأقلية غير الموالية” (التركمان)، أو “حل النزاع” بترحيل “المجموعة الغريبة” (الكرد). كل هذه عبارات محايدة ظاهرياً، تحمل تحت سطحها مذابح بأسماء رسمية.
والتاريخ متخم بأمثلة حول كيف ان اللغة والمصطلحات إلى أكبر أداة للقتل:
– الأرمن 1915: من “الملة الصادقة” في الدولة العثمانية إلى “الطابور الخامس الخائن” تحول مصطلحي استغرق عقداً من الخطاب التعبوي قبل مجازر التهجير.
– الآشوريون 1933: من “مسيحيو الجبال” إلى “الحلفاء البريطانيين” إلى “الخونة” – ثلاث مراحل مصطلحية، ثم مجزرة سميل التي راح ضحيتها 3000 شخص في 11 أغسطس فقط.
– الإيزيديون 2014: من “أهل الملل” إلى “عبدة الشيطان” في خطاب تنظيم داعش – لكن الجذور أعمق، فوصفهم بـ”الكفار” و”المنبوذين” حاضر في أدبيات كراهية لقرون. النتيجة إبادة جماعية معترف بها دولياً.
– الكرد: تنقلوا بين “أكراد الجبال” و”البدو” و”الانفصاليين” و”العناصر التخريبية” كل مصطلح أتاح لحظة عنف، مجازر 1925 في تركيا، حملة الأنفال في العراق 1988، قمع انتفاضات سوريا 2004.
ولا زالت حرب المصطلحات مستمرة في الشرق الأوسط ولم يخرج من المختبر بعد. ما يقلق المجتمع هو أننا لم نتعلم الدرس. لا تزال لغتنا السياسية والإعلامية واليومية مليئة بـ”الألغام” التي تنتظر من يفجرها. نستورد مصطلحات استعمارية (“الأقلية”) نطبقها على مجتمعات كانت تعيش بتنوع أفقي قبل مائة عام. نستخدم مصطلحات طائفية (“صفوي”، “وهابي”، “رافضي”، “سني-شيعي”) لتقليص الإنسان إلى بُعد واحد. نعيد إنتاج “فجوة مفاهيمية” تجعل الكردي لا يرى نفسه في الدولة، والسني لا يرى نفسه في القانون، والإيزيدي لا يرى نفسه في المنهج الدراسي.
وحينما ندقق فيها نرى أنها ليست “أخطاء لغوية” بريئة. إنها هندسة اجتماعية سلبية، تصنع واقعاً جديداً ينسجم مع تسمياته. حين تُقال “الشيعة الصفوية” ألف مرة في الإعلام، يبدأ بعض السنة بالنظر إلى جارهم الشيعي ليس كعراقي أو سوري مثله، بل كـ”عميل فارسي”. وحين يُكرر “الكرد الانفصاليون”، يُصبح أي مطالب كردية بالحقوق السياسية والثقافية “خيانة عظمى” لا نقاش فيها، وحينما يصبح السني عميل للغرب، يتحول أي سني إلى خائن وجب قتله.
وللخروج من مستنقع اللغة والمصطلحات هذا علينا الإقرار بأن ذلك من أكبر مسؤوليات المثقف في الدرجة الأولى لنزع هذه الألغام. وعلينا التأكيد على أن التفكيك اللغوي ليس ترفاً أكاديمياً؛ بل هو عملية إنقاذ. علينا أن نبدأ بخطوات عملية. حيث كل تسمية مسيئة تحمل في طياتها “تاريخاً سياسياً” يمكن تفكيكه. “عبدة الشيطان” ليس وصفاً دينياً موضوعياً، بل هو سلاح إبادة استخدمته قوى مختلفة على الإيزيديين عبر القرون. “الانفصاليون” ليسوا فئة مجردة، بل مواطنون يطالبون بحقوق محددة ضمن دولة دخلوها بالقوة.
والإنسان الشرق أوسطي ليس “أقلية” ولا “طائفة”، هذه مفاهيم تبسيطية. أي فرد يحمل هويات متعددة؛ دينية، قومية، مهنية، عائلية، إقليمية. عندما نختزل كردياً إلى “قومية خائنة” أو شيعياً إلى “ولاية فقيه” أو مسيحياً إلى “تابع للغرب”، فإننا نقتل هويته ووجوده أي ماهيته وكينونته. وأيضاً على القوى السياسية والإعلامية الإقرار على “مدونة شرف لغوية” تمنع استخدام التصنيفات الجماعية الإقصائية. ليس حرية تعبير أن تطلق على مليون إنسان وصف “إرهابيين” أو “عبدة أوثان”. هذه دعوات للكراهية، تحاسب عليها القوانين المدنية.
وكذلك إعادة النظر بالمناهج المدرسية التي تحولت إلى أخطر “مختبر لغوي” لأنها تنتج أجيالاً. يجب أن تعيد صياغة كيفية تقديم التنوع؛ ليس كـ”أقليات” عالقة في “جسم الدولة”، بل كنظام بيئي معقد من الهويات المتداخلة، لكل منها عمقه التاريخي ومساهمته الحضارية.
بعد مائة عام على مجازر الأرمن والآشوريين والكرد، وثمانين عاماً على سميل، وسبعين عاماً على نكبة الفلسطينيين، وثلاثين عاماً على الأنفال، وعقداً على سنجار – لا يزال الشرق الأوسط غارقاً في “فجوة مفاهيمية” تمنعه من رؤية نفسه بصدق. كل صراع جديد يحمل معه قاموساً جديداً من التصنيفات؛ “إرهابيون”، “ميليشيات”، “أقليات مضطهدة”، “خلايا نائمة”، “نواصب”. لكن الآلية واحدة؛ التسمية أولاً، ثم التجريد من الإنسانية، ثم العنف، ثم التبرير.
السؤال الذي ينبغي علينا الإجابة عليه هو؛ هل نملك الجرأة لنقف أمام المرآة اللغوية ونسأل أنفسنا: أي الألغام زرعنا اليوم بأيدينا؟ وأي التصنيفات نعيد إنتاجها بينما نعتقد أننا نصف “الواقع” لا نصنعه؟
فك الأقفاص اللغوية ليس حلماً رومانسياً – إنه ضرورة وجودية. فإذا لم نفكك الصور النمطية في مختبرنا اللغوي اليوم، فغداً ستفككنا هي – كضحايا في حرب مصطلحات لم ندرك أننا نخوضها.
لا يبدأ العنف بالرصاصة؛ يبدأ عندما ننجح في جعل جارنا “آخراً” لا يشبهنا. وعندها تصبح كل الرصاصات مشروعة، والفتاوي جاهزة كي تنطلق من فم كهنة وحراس الدين وسماسرته.