الحدث – القاهرة
وما زالت النظم الاستبدادية مستمرة بتمسكها بكرسي السلطة التي لا تريد أن تتركه لمن يرى في نفسه أنه جدير بحمل هذه المسؤولية والإمساك بدفة الحكم وتوجيهها نحو برّ الأمان. غير أن تلك النظم لا ترى غير نفسها في التربع على السلطة وتحارب كل من تسول نفسه بمجرد التفكير في الجلوس مكان هذه النظم. وعليه تعمل النظم الحاكمة المستبدة وعبر الآليات المتوفرة لديها وتوجيهها لتوليد شخوص مرتبطين بها حتى آخر درجة من الانصياع والخضوع والارتماء في أحضان هذه النظم.
هذه الشخوص التي تتقرب من النظم الاستبدادية تتألف من مستويات مختلفة ولكل منها أسبابها من هذا الاقتراب، فمنها يتقرب ويلتصق بالسلطة لأنه يرى نفسه من أبناء الثورة التي أنجبت هذه السلطة ويعتبر نفسه الابن الشرعي لها ويعمل بكل ما في وسعه لحماية المستبد والسلطة على أساس أنهما ضمان بقائه واستمرار الثورة التي تمّ اختزالها بشخص الزعيم الملهم، ومنهم يبحث عن مكانةً يتقرب منها من السلطة لتنفيذ أجنداته العائلية وخاصة من الناحية المالية أو الوجاهة الوظيفية، ومنهم من يتقرب من الزعيم والسلطة من أجل السلطة بحد ذاتها بغض النظر من أنَّ هذا الشخص مؤمن بالزعيم أم لا، المهم لديه هو أن يلعق موائد السلطان ويمدح بالزعيم ويدبّر المكائد في قرارة نفسه على أنه هو فقط من يليق به كرسي السلطة وليس الزعيم نفسه.
من هنا وفي أية فترة تعيش السلطة حالات الاهتزاز الطبيعية نتيجة عوامل داخلية أم خارجية، نرى الشخوص من المستويات الأخيرة تخرج وتبتعد وتصرخ بمفاسد النظام الحاكم على أنه استبدادي وظالم ولص وقاتل مأجور للقوى الدولية وتعمل على شيطنة الزعيم حتى تنقلب عليه إن هي استطاعت لذلك سبيلا. وتلتحم بالثورة إن هي بدأت وتحجم وتُبعد كل الشخوص المحترمين من طريقها كي تستولي هي بنفسها على كرسي المعارضة على أنها خير من تُمثلها.
هذا ما كان ورأيناه خلال العقد الأخير مما سُمي بثورات الربيع العربي بدءًا من تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن. نسبة التشابه بين من يدّعون المعارضة كبيرة جدًا لأنها ارتوت أو ما زالت ترتوي من نفس المعين الذي شربت منه كل المعارضة وهو الإخوان المسلمين. هذا التنظيم الذي سرق ثورات الشعوب وهي وليدة وأراد الركوب على هذه الثورات وجعل نفسه من بمستطاعه تأمين متطلبات الشعب في العدالة والكرامة.
إلا أنه حالما يصعد كرسي السلطة أو في مرحلة نفاقه للوصول لكرسي السلطة نرى هذه المعارضة تكشف عن أنيابها ومخالبها وتبدأ بالتخلص من كل فرقائها وأصدقائها السابقين لتبقى الوحيدة الممسكة بزمام أمور السلطة. لا داعي أن نتكلم عمّا حدث في الثورات التي طلّت علينا وإلى أين وصلت، فالحديث عما آلت إليه سوريا على يد النظام السابق ومن أدَّعت المعارضة خير مثال ويمكن اسقاطه على الكل.
فالنظام الاستبدادي الذي كان يقصي كل من يعارضه تحت حجج لا حصر لها وجاهزة لأي معارض حقيقي إن كان في العمالة للخارج أو الكفر أو زعزعة أمن البلاد والعباد وتكون النتيجة إما الإهمال والتهميش في أحسن الأحول أو الاعتقال إن كان النظام راضيا عنه أو القتل باسم فاعل مجهول إن كان يشكل خطرًا على النظام بحد ذاته. وهي نفس التقربات التي تنتهجها المعارضة في مرحلة الثورة ولكن يبقى الخيار الأخير هو السائد وتصفية كل من يعارض المعارضة وإن كان على أتفه الأمور.
المعارضة في سوريا أفشلت الثورة وباعت الشعب بأبخس الأثمان كرمىً لعيون أردوغان الذي لعب دورًا كبيرًا بأدواته من المرتزقة الذين ارتهنوا له وجعل منهم بيادق مأجورين تحت الطلب وأينما كان، المهم هو المال وجمع الثروة على حساب الشعب والثورة. ما نراه من المعارضة وجيش النظام مما يحصل على الأرض لا يختلفون عن بعضهم البعض في أي شيء.
وحتى يمكننا وصفهم الاثنين بأنهما لا يهمهما الشعب والوطن بقدر ما يسعون إلى التمسك أو الوصول للسلطة. فكِلاهما ينحر ويقطع الرؤوس من كِلا الطرفين وأيضًا يدنسون حرمة المقابر والأموات ويسرقون ممتلكات المواطنين الهاربين من جحيم صراع السلطة بين الطرفين. أما عن حالات التهجير والحرق والترهيب وطلب الفدية فحدث ولا حرج ما يقوم به الطرفان تجاه الآخر، ناهيك عن حالات الاغتصاب التي باتت تُعد من الأمور التافهة مقارنة بما يقومان به من أفعال شنيعة أخرى.
بهذا الشكل تتمكن النظم الاستبدادية من ضمان استمرارها لأنها أنتجت أسوأ وأقذر معارضة عرفتها الثورات على مرّ التاريخ. وعليه تشكّل الحالة السورية نموذجًا دراسيًا مُركبًا لاستمرارية النظم السلطوية وآليات بقائها، وانعكاس ذلك على تشكيل خريطة المعارضة وطبيعتها. فمنذ اندلاع الاحتجاجات في عام 2011، برزت ديناميكية مُتماثلة بين نظام الحكم المستبدّ والقوى المعارضة له، مما أسهم في تعقيد الأزمة وامتداد تأثيراتها إلى دول الجوار الإقليمي. نسعى من خلال هذا المقال التعمق في آليات تمسك النظام السوري بالسلطة مسبقاً، وطبيعة النخب المحيطة به، ثم إلى تشريح بنية المعارضة السورية وتأثيراتها على مسار الصراع، مع تقييم الدور الإقليمي وانعكاسات ذلك على الاستقرار في المنطقة.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو أن المعارضة السورية كيف تشكّلت والإشكاليات التي رافقت مراحل التشكل. حيث ظهرت المعارضة السورية في بيئة معقدة، كانت فيها هيمنة الإسلام السياسي واضحة وتمكن تنظيم الإخوان المسلمين وسائر الفصائل الإسلامية من الهيمنة على المشهد المعارض، مستغلًا الفراغ السياسي والإحباط الشعبي. وكذلك التبعية الإقليمية، حيث أصبحت أجزاء كبيرة من المعارضة مرتبطة بدعم تركيا ودول خليجية، مما أثر على استقلالية قرارها وحولها إلى أداة في صراع النفوذ الإقليمي. ولا يمكن اهمال الممارسات الاستبدادية المماثلة، حيث كثير من فصائل المعارضة انتهجت أساليب قمعية مشابهة للنظام السابق، من اعتقالات وتعذيب وتهميش للقوى الأخرى، بل وتواطؤ في بعض الأحيان مع سياسات تهجير وترهيب المدنيين.
وفي خضم المعمعة لعبت دول الجوار دورًا محوريًا في تعقيد الأزمة. حيث قدمت تركيا قدمت الدعم اللوجستي والسياسي لفصائل معينة، وحولت مناطق الشمال السوري إلى مناطق نفوذ، مستغلة الورقة المعارضة لتحقيق أجندات أمنية واقتصادية. ولا يمكن تناسي دول الخليج في سوريا التي عمقت التقسيم وساهمت في تسليح الصراع.
وبعد مجيء الجولاني الى سدة الحكم وتحوله إلى رئيس السلطة المؤقتة ومعاركه في الساحل السوري والجنوب وشمال شرقي سوريا مؤخراً، كل ذلك زاد الشرخ ما بين مكونات المجتمع السوري بعربه وكرده وعلوييه ودرزيه. وبعدما سيطرت قوات الجولاني على سجون ومعسكرات الإرهابيين والافراج عن معظمهم، بات هناك فائض من المرتزقة والإرهابيين انضموا لما يسمى بقوات الأمن العام والجيش، وتم تعويمهم لاستخدامهم في جغرافيا أخرى. ولربما يكون لذلك تداعيات على دول الجوار، إن كان العراق أو لبنان أو بلدان أخرى تدخل لصالح من أفرج عنهم ومنحهم صكوك الغفران. ولربما ينتقل العنف الطائفي، وذلك عبر انتشار التنظيمات المتطرفة وعمليات التوتر الطائفي.
الحالة السورية تظهر كيف يمكن للنظام الاستبدادي السابق أن ينتج معارضة تشبهه في الممارسات، مما يؤدي إلى استمرار الأزمة وتعميق المأزق الإنساني. كما تؤكد الدراسة على أن التدخل الإقليمي حوّل الصراع إلى حرب بالوكالة، كان ضحيتها المدنيون السوريون واستقرار المنطقة.
وتبقى منطقة روج آفا في الشمال الشرقي من سوريا وكذلك قوات سوريا الديمقراطية التي قضت على داعش وأفشلت أجندات أردوغان، ورغم المعارك الأخيرة وخسارة قسد لمساحة واسعة من الجغرافيا، إلا أنها تبقى هي بقعة الأمل والضوء الوحيدة المتبقية في مستنقع الصراع ما بين النظام والمعارضة.
3 ساعات مضت