الحدث – القاهرة
في الثاني والعشرين من نيسان، نقف جميعاً في حضرة التاريخ، لنستلهم من صفحاته الأولى عبق البدايات وعظمة التحدي. ففي مثل هذا اليوم من عام 1898، لم تكن العاصمة المصرية القاهرة مجرد مدينة من حجارة وأزقة ومقاهي، بقدر ما كانت ذاك الحضن الذي يحمي البعيد قبل القريب، ولم يكن النيل كأي نهر يجري، وهو الشاهد على ذكريات المناضلين والشعراء، وبنفس الوقت لم تكن القاهرة تشهد مجرد ولادة مطبوعة ورقية، بل كانت تشهد ميلاد وعي قومي يتنفس عبر الحروف. عندما أطلق مقداد مدحت بدرخان العدد الأول من جريدة “كردستان” في منفاه، لم يكن يمسك بقلم، بل كان يرفع شعلة وسط ظلام دامس، معلناً للعالم أجمع أن الهوية الكردية عصية على الطمس، وأن الكلمة هي الخندق الأول في معركة الوجود.
اليوم، ونحن نحتفي بالذكرى الثامنة والعشرين بعد المائة ليوم الصحافة الكردية، أكتب ليس فقط كإعلامي، بل كسياسي يدرك تماماً أن مسيرة النضال ما كانت لتستقيم، لولا تلك الأقلام التي وازت بنادق المقاتلين في الخنادق. لقد كانت الصحافة الكردية وما زالت، البوصلة التي توجه الأمة، والمرآة التي تعكس طموحات وآلام شعب يسعى نحو حقه المشروع في الحياة بكرامة.
في هذه الذكرى العظيمة، تنحني الهامات إجلالاً، ونحن نستذكر أولئك الذين جعلوا من أجسادهم جسوراً لتعبر عليها الحقيقة. إلى شهداء الكلمة، إلى الصحفيين والمراسلين والمصورين الذين واجهوا رصاص الغدر، والمشانق، وزنازين الاستبداد بصدور عارية إلا من الإيمان بعدالة قضيتهم. إلى الذين سُفكت دماؤهم في ساحات الوغى وهم يوثقون بطولات شعبهم، أو اغتيلوا في أزقة المدن لأن حبرهم كان يكشف عورات الفساد والظلم. لكم منا كل الحب والامتنان.. لقد أثبتم أن الكلمة الحرة لا تموت بموت صاحبها، بل تُبعث من جديد في وجدان الأجيال.
لقد علمتني عقودٌ قضيتها بين دهاليز السياسة وميادين الصحافة حقيقة ثابتة: السلطة التي تخاف من صحفي يحمل دفتراً وقلماً، هي سلطة هشة تبني أمجادها على الرمال. إن الصحافة الحرة والمسؤولة هي الشريك الأهم في بناء أي تجربة ديمقراطية حقيقية. السياسة بلا صحافة تراقبها، وتقوّم اعوجاجها، وتكشف زلاتها، هي سياسة عمياء تقود المجتمع نحو الهاوية. لذلك، فإن نضالكم اليوم في كشف الحقائق، ومحاربة الفساد، وتوعية الجماهير، لا يقل قدسية عن نضال الرواد الأوائل.
إلى كل صحفي وصحفية يواصلون الليل بالنهار، في غرف التحرير، وخلف الشاشات، وفي ساحات الحدث:
أنتم الورثة الشرعيون لجريدة “كردستان”. أنتم الصوت الذي يكسر جدار الصمت، والضوء الذي يفضح عتمة الزوايا. في زمن تختلط فيه الحقائق بالشائعات، وتتصارع فيه الأجندات، يبقى رهاننا عليكم كبيراً للتمسك بأخلاقيات المهنة، والانحياز المطلق للحقيقة، ولصوت المواطن البسيط.
مبارك لكم عيدكم، عيد الكلمة الحرة، والموقف الشجاع. والمجد والخلود لشهداء الصحافة الكردية وشهداء الحرية في كل مكان. وعاشت الكلمة التي تنير الدروب، وتهز عروش الطغاة، وتبني أوطاناً تليق بتضحيات أبنائها.