الحدث – القاهرة
على مر العصور، لم يكن الشرق الأوسط مجرد رقعة جغرافية، بل كان المسرح الأكبر لصراع الحضارات والقوى العظمى. فمنذ أكثر من ألفي عام، وتحديداً في عام “331 قبل الميلاد”، شهدت المنطقة لحظة مفصلية حينما زحف “الإسكندر الأكبر” من الغرب ليدك حصون الإمبراطورية الفارسية الأخمينية بقيادة “داريوس الثالث”. كان ذلك أول صدام كوني بين “الروح الغربية” التوسعية و”الشرق” المتمسك بعمقه الاستراتيجي، وانتهى بانتصار الغرب وإعادة رسم خارطة العالم القديم.
اليوم، وفي عام 2026، يبدو أن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بنسخة تكنولوجية نووية. فالمواجهة المحتدمة بين الولايات المتحدة (بقيادة ترامب) وإسرائيل من جهة، وإيران (بقيادة خامنئي) من جهة أخرى، ليست سوى استمرارية لذلك الصراع الوجودي القديم. وفي وسط هذا الصدام التاريخي المتجدد، يجد الشعب الكردي نفسه مجدداً في “عين العاصفة”، ساكناً في جبال “زاغروس” التي كانت ولا تزال خط التماس الأبدي بين القوى المتصارعة.
يمثل الكرد اليوم القوة الديموغرافية الأكبر في المنطقة التي تفتقر لدولة مستقلة، بتعداد يصل إلى 40 مليون نسمة، يتوزعون بين إيران وتركيا وسوريا والعراق. هذا التوزع يضعهم في قلب “الممر الاستراتيجي” الذي يسعى الغرب للسيطرة عليه أو تحييده، والشرق لحمايته كحائط صد. ومع انتقال الصراع في أواخر فبراير 2026 إلى مرحلة الضربات المباشرة واغتيال الرموز السياسية الكبرى في طهران، تحولت الأراضي الكردية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.
حيث تحول إقليم كردستان العراق سريعاً إلى ساحة لتقاطع المصالح الملتهبة. فمنذ اندلاع الحرب، تعرض الإقليم لأكثر من 200 ضربة بالصواريخ الباليستية والمسيرات الإيرانية، تحت ذريعة وجود “خلايا للموساد” أو “قواعد أمريكية”.
المعارضة الكردية الإيرانية: “ورقة الإسكندر” الجديدة؟
تاريخياً، حاول القادة الغربيون دائماً استمالة القوى المحلية المناهضة للإمبراطوريات الشرقية. واليوم، تبرز “المعارضة الكردية الإيرانية” كلاعب محتمل في هذا السياق. لقد نجحت ستة أحزاب كردية إيرانية في تشكيل ائتلاف موحد، معلنة استعدادها لفتح جبهة داخلية في إيران، لكنها تدرك تماماً دروس التاريخ:
شرط التفوق الجوي: يرفض القادة الكرد، الانخراط في “مغامرة انتحارية” برية دون غطاء جوي أمريكي كامل وتدمير لآلة الحرب الإيرانية.
الانتفاضة لا الحرب: تراهن القيادات الكردية على أن مستقبل إيران سيتحدد عبر “ثورة داخلية” وليس فقط عبر غزو خارجي، وهو ما يجعلهم يتريثون في إطلاق الرصاصة الأولى.
تقلبات واشنطن ودروس “داريوس”
مثلما تراجعت القوى الكبرى مراراً عن وعودها للكرد عبر القرون، أظهر الموقف الأمريكي الحالي تردداً لافتاً. فبعد تقارير عن رغبة واشنطن في استخدام الكرد “لتمديد خطوط القوات الإيرانية”، تراجع الرئيس ترامب علناً، معلناً رغبته في عدم إقحامهم في حرب برية مباشرة.
هذا التراجع أعاد للأذهان المقولة الكردية الخالدة: “ليس لنا أصدقاء سوى الجبال”. فالكرد الذين شهدوا خيبات الأمل في سوريا والعراق، يدركون أن “الإسكندر الحديث” قد ينسحب في أي لحظة تاركاً حلفاءه يواجهون قدرهم أمام انتقام الشرق.
هل ينتصر الغرب أم يبتلع الشرق خصومه؟
إن الصراع بين (ترامب وخامنئي) هو في جوهره إعادة لإسقاطات صراع (الإسكندر وداريوس)؛ صراع بين إرادة التغيير الغربية وصلابة العمق الشرقي.
بالنسبة للكرد، الحكمة تقتضي عدم التحول إلى “مرتزقة” في حروب الإمبراطوريات، كما عبرت عن ذلك السيدة الأولى في العراق، شاناز إبراهيم أحمد. إن الرهان الحقيقي للكرد اليوم ليس في انتظار “إسكندر جديد” يمنحهم الحرية، بل في تعزيز وحدتهم الداخلية وترسيخ مكتسباتهم السياسية، لضمان ألا يكونوا مجرد “وقود” في حرب قد تستمر لألف عام أخرى.