الحدث – بغداد
في مشهد سياسي دراماتيكي يتكشف في تركيا هذه الأيام، تشن السلطات هجوماً قانونياً شرساً على حزب الشعب الجمهوري، أعرق حزب قومي علماني في تاريخ تركيا الحديث، في محاولة لغلقه. ما يبدو للوهلة الأولى يتبدى عند التدقيق كجزء من لوحة أكبر: تفكيك آخر معاقل القومية في الشرق الأوسط.
حزب الشعب الجمهوري ليس مجرد حزب معارضة. إنه مؤسسة تأسيسية للجمهورية التركية، صاغ الكماليون من خلاله رؤية قومية علمانية تحدت التجزئة والطائفية. عندما تتحرك آلة العدالة التركية – التي باتت بيد حزب العدالة والتنمية – لإغلاقه، فإن المعركة ليست قانونية بل سياسية بامتياز. فالهدف هو تجريد تركيا من آخر حزب قومي قادر على حشد الجماهير خلف مشروع وطني جامع.
والأكثر إثارة للدهشة هو التوقيت: فكلما اقتربنا من نهاية حقبة القوميات في المنطقة، تصاعدت وتيرة التفكيك.
ثلاث محطات في تصفية القومية العربية تمت معايشتها. ولكي نفهم حجم التحول، علينا أن ننظر إلى الخريطة الأوسع:
2003 – العراق: مع احتلال بغداد، لم يسقط نظام صدام حسين فقط، بل أعلن بول بريمر حل حزب البعث العربي الاشتراكي بالكامل. تم محو التنظيم الذي جسَّد القومية العربية لأكثر من ثلاثة عقود. تأسس العراق الجديد على أساس طائفي وإثني: المحاصصة بين الشيعة والسنة والكرد.
2024 – سوريا: بعد فرار بشار الأسد، لم يسقط النظام السوري فقط بل أُعلن رسمياً حل حزب البعث السوري. وهكذا انتهى آخر معاقل البعث في الوطن العربي، بعد أن كان حزباً قائداً للدولة ومحركاً للمشروع القومي لأكثر من نصف قرن.
وكذلك كان الحزب الناصري في مصر الذي وصل لمرحلة من التفكك والانقسام لدرجة لم يعد له وجود يذكر في المنطقة.
هذه محطات مفصلية، مرتبة زمنياً، وكأنها مشروع منظم لتطهير الشرق الأوسط من الأحزاب القومية.
الناصرية قبلهم: البداية التي كانت نهاية؟
قبل العراق وسوريا، كانت مصر الناصرية هي النموذج الأبرز للقومية العربية العلمانية. جمال عبد الناصر لم يكن مجرد رئيس، بل كان أيقونة قومية هزت عروش الاستعمار القديم والجديد. ورغم أن حزب الاتحاد الاشتراكي حلَّ بشكل مختلف، إلا أن الجوهر واحد: تفكيك المشروع القومي العربي الذي هدد المصالح الغربية والإسرائيلية.
السؤال المقلق: هل كانت نكسة 1967 مجرد هزيمة عسكرية، أم كانت البداية الفعلية لتفكيك منهجي للقومية العربية استغرق عقوداً؟
وبعيداً عن الحماس القوموي لربما لم تكن هذه التطورات صدفة. إن عملية تصفية الأحزاب القومية في الشرق الأوسط تتوافق مع مصالح القوى الهيمنة العالمية – واشنطن وحلفاؤها – التي راهنت دائماً على شعار “الشرق الأوسط الجديد”. هذا الشعار الذي يطرح معه سؤال مهم ألا وهو؛ ما هو الشرق الأوسط الجديد؟
الإجابة المنطقية هي أن يكون هناك شرق أوسط بلا أحزاب قومية جامعة. وشرق أوسط مقسم على أسس طائفية وإثنية ودينية. وشرق أوسط تتحكم فيه النخب الدينية (سنة وشيعة) بدلاً من الايديولوجيات الوطنية. وشرق أوسط تكون فيه الحدود هشة والولاءات منحصرة في الجماعات الصغيرة.
هذا المشروع، الذي صاغته بوضوح كوندوليزا رايس في منتصف العقد الأول من الألفية، وجد طريقه إلى التنفيذ عبر عقود من الحروب والتدخلات والدعم لحركات “الربيع العربي” التي أضعفت الدول القومية لصالح الفواعل الدينية والمناطقية.
لكن، أخطر ما كان ولا زال في المشهد هو أن الشعوب العربية والتركية والكردية لم تكن مجرد متفرجين على تصفية أحزابها القومية، بل كانت أدوات فاعلة في هذه العملية – بوعي أو بدون وعي.
كيف ذلك؟
لقد فشلت الأحزاب القومية في التجديد، وتكلست قياداتها، وابتعدت عن نبض الجماهير. حزب الشعب الجمهوري في تركيا ظل لعقود حزب النخبة العسكرية والبيروقراطية، بعيداً عن حقيقة المجتمع. حزب البعث في سوريا تحول إلى عائلة والأقليات التي تحكم بالقمع والفساد. والناصرية لم تنجب قادة بعد عبد الناصر.
وهكذا، حين جاءت القوى الدينية (الاسلام السياسي) أو القوى الليبرالية أو القوى المناطقية (الدينية في تركيا، والطائفية في العراق وسوريا)، وجدت شعوباً محبطة ومستعدة للتصفيق لانهيار أحزابها القومية.
المفارقة المأساوية هي أن نفس الشعوب التي صنعت المجد القومي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، هي نفسها التي تخلت عن القومية أو ساعدت في تدميرها، معتقدة أنها تتخلص من الاستبداد والفشل.
ما بعد القومية وتهاوي الأحزاب القومية كأحجار الدومينو؛ هل سنعيش في “دولة الأديان”؟
السيناريو الذي يرسمه التطور الحالي هو شرق أوسط بلا مشاريع قومية، تسيطر عليه قوتان رئيسيتان:
– التيار السني بقيادة تركيا والسعودية (والاسلام السياسي بزعامة “العدالة والتنمية”).
– التيار الشيعي بقيادة إيران (مع أنظمتها العسكرية والدينية).
وهنا يظهر ما يسميه البعض “المشروع الإبراهيمي” – وهو محاولة لتقديم صيغة دينية توحد الأديان التوحيدية الثلاثة (اليهودية، المسيحية، الاسلام) تحت راية التسامح والتعايش، لكن الجوهر هو تهميش القوميات لمصلحة ولاءات دينية وأيدلوجية مرنة.
هل نكون أمام “ديانة إبراهيمية جديدة”؟ ربما المبالغة، لكن ما لا شك فيه هو أن القوى العالمية تفضل شرق أوسط تحكمه النخب الدينية الموالية على أن تحكمه أحزاب قومية مستقلة قد تهدد مصالحها الاستراتيجية.
بينما نشهد تصفية آخر حزب قومي كبير في الشرق الأوسط (حزب الشعب الجمهوري التركي)، وبينما نرى جثث البعث في بغداد ودمشق، والذكرى الباهتة للناصرية في القاهرة، يتساءل المرء: هل هذا هو الأفول النهائي؟
لا أعتقد أن القومية كفكرة قد ماتت. القومية العروبية والتركية والفارسية والكردية هي مشاعر عميقة الجذور في المنطقة. لكن الأحزاب القومية كما عرفناها في القرن العشرين – الحزب الواحد، التنظيم الطليعي، الأيديولوجيا الشاملة – هذه قد انتهت بالفعل.
ما نراه هو تحول من القومية “الجامعة” (البعث والناصرية والكمالية)، بعد أن قامت بوظائفها جرّاء تعنتها واقصائها الآخر، وتفتيت المجتمع إلى قوميات “صغرى” (قومية تركية متدينة، قومية كردية، قومية إيرانية شيعية). إنها القومية بعد تشظيها، والأحزاب بعد أن حلت محلها كيانات هجينة: دينية، عسكرية، قبلية.
ربما يكون السؤال الأهم ليس “هل ماتت الأحزاب القومية؟” بل “ماذا سيحل محلها؟” وإذا كان الرد هو “أحزاب دينية وطائفية”، فإن المأساة أن المنطقة ستنتقل من استبداد القومية إلى فوضى الطائفية – ولن يكون أحد ليبكي على الأحزاب القومية التي دفنتها شعوبها بأيديها.