الثلاثاء 16 يونيو 2026
القاهرة °C

هيلين أوميت: أي عملية سلام جادة تتطلب دوراً فعلياً للقائد آبو في المفاوضات

الحدث – القاهرة

أكدت عضوة حركة التحرر الكردستانية هيلين أوميت، أن نجاح عملية السلام في تركيا يتطلب الاعتراف بالمكانة السياسية والقانونية للقائد آبو، منتقدة استمرار تجاهل المؤسسات الأوروبية لتطبيق قرار “حق الأمل”.

تحدثت عضوة حركة التحرر الكردستانية هيلين أوميت، في برنامج خاص على قناة مديا خبر Medya Haber TV، وقيّمت التطورات الجارية في تركيا وكردستان والشرق الأوسط.

وجّه 82 من الحائزين على جائزة نوبل والعلماء والمثقفين المعروفين نداءً إلى لجنة الوزراء في مجلس أوروبا بشأن “حق الأمل” للقائد آبو، وطالبوا باتخاذ خطوات حاسمة للاعتراف بهذا الحق. كيف تقيّمون هذه المطالب والنداءات؟

في البداية، وباسم جميع رفاقي، أحيّي القائد آبو الذي يناضل في إمرالي، بوتيرة عالية من أجل النساء والشعوب والحرية وربيع الأخوّة والسلام، بكل محبة واشتياق.

نعم، لقد وجّه 82 من الحائزين على نوبل والمثقفين والكتّاب والعلماء نداءً جديداً. وهذا يُعدّ النداء الثالث لهم. فقد سبق أن وجّهوا نداءات ومطالب مشابهة إلى لجنة الوزراء التابعة لمجلس أوروبا. لكن في مثل هذا الظرف بالذات، فإن دخول 82 مثقفاً يمثلون ضمير الإنسانية في مثل هذا المسعى يحمل أهمية كبيرة.

انتبهوا إلى ما يجري: فالحرب والدمار في الشرق الأوسط، والوضع الراهن، يثيران قلق الأشخاص ذوي الحس الإنساني والضمير الحي. وهم يحاولون القيام بشيء ما. وهؤلاء المثقفون الـ 82 يركزون بشكل خاص على المأساة وبحار الدم والحروب في الشرق الأوسط، ويطالبون بحرية القائد آبو.

وأقيّم هذا الأمر أيضاً من زاوية أخرى؛ فأنتم تعلمون أن هناك مثقفين في تركيا وكردستان، أو أشخاصاً يعتبرون أنفسهم مثقفين، لكنهم يقفون بلا حساسية تُذكر تجاه عملية “السلام والمجتمع الديمقراطي” التي يسعى القائد آبو إلى دفعها قدماً رغم ضيق الفرص المتاحة. في المقابل، ظهرت خارج الحدود شريحة تمثل ضمير الإنسانية. وهذا يمنح الأمل ويحمل بالفعل دلالة كبيرة.

ومن هذه الناحية، أحيّي جميع المثقفين الذين وقّعوا على هذا النداء. وآمل ألا يقتصر دورهم على إصدار النداءات فقط، فهناك الكثير مما يمكن فعله. من أجل الشرق الأوسط والعالم وكردستان والكرد، هناك الكثير مما يمكن القيام به. فهذه القضية هي بالفعل قضية دولية، والقضية الكردية قضية دولية. ولذلك فإن جهود هؤلاء المثقفين ذات معنى كبير.

كما ذكرتم أن هؤلاء يعرّفون في ندائهم بمكانة القائد آبو؛ أي أنهم يحددون وضعه ويصفونه أيضاً بأنه شخصية سلام. ويؤكدون أنه في مثل هذه المرحلة يجب دعم القادة والرواد الذين يعملون من أجل السلام. وهذه نقطة بالغة الأهمية.

ففي وقت تكاد الحروب تنتشر في كل مكان من العالم، وفي ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط بكل تعقيداتها، يُسمع صوت القائد، بوصفها نموذجاً لحداثة مختلفة، من قبل هؤلاء الأشخاص. نعم، فهم يركزون في ندائهم على “حق الأمل” وضرورة تطبيقه، ويؤكدون أن لجنة الوزراء التابعة لمجلس أوروبا يجب أن تؤدي واجبها في هذا الشأن.

لكنهم لا يكتفون بذلك، بل يذهبون أبعد من ذلك، إذ يقولون إن وضعه القانوني والسياسي يجب أن يكون واضحاً، وإن القائد آبو يجب أن يمتلك موقعاً يمكّنه من التأثير في هذه العملية وقيادتها، أي أنه ينبغي إطلاق سراحه فعلياً. ونحن نؤيد ذلك حتى النهاية.

وأود أن أضيف أيضاً أنه في كردستان وتركيا يوجد أشخاص ذوو ضمير حي، ومثقفون، وفئات تسعى إلى إيجاد حلول للمشكلات المجتمعية. لكن هناك أيضاً شريحة تهيمن على الإعلام وتبدو عمياء تماماً تجاه هذه القضايا. فعندما يطلق هؤلاء المثقفون الـ 82 هذا النداء، نرى في تركيا وكردستان حالة من اللامبالاة وعدم الإحساس.

ومن هذه الزاوية، فإن جهود المثقفين الـ 82 مهمة للغاية. وكما قلت في البداية، فهذا هو ندائهم الثالث. وينبغي أن يزداد عددهم، وأن يكونوا أكثر تنظيماً، وأن يشاركوا بشكل أوسع في النشاطات المختلفة.

وأنا لا أنظر إلى بيان هؤلاء المثقفين الـ 82 على أنه يخص الكرد أو كردستان فقط، بل أراه نداءً موجّهاً إلى الإنسانية جمعاء. فهم يرون حالة العالم، ويرون الضيق الذي تعيشه البشرية، وفي مثل هذه الظروف يرون أن القائد آبو قد برز بوصفه مركزاً للحل، ولذلك يدعمون هذا الطرح.

وفي الحقيقة، فإن هذا تطور إيجابي ومفرح. فليست حياتنا مليئة بالتطورات السلبية فقط، بل تحدث أيضاً تطورات إيجابية وجميلة من هذا النوع.

فيما يتعلق بسؤالنا الأول، أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عام 2025 قراراً بشأن “حق الأمل” للقائد آبو. ورغم مرور عام على القرار، فإنه لم يُنفذ حتى الآن.

رغم صدور قرار من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن “حق الأمل” للقائد عبد الله أوجلان، لم يُنفذ القرار حتى الآن، كما لم تتخذ لجنة الوزراء في مجلس أوروبا خطوات عملية لإلزام تركيا بتنفيذه. ويُطرح تساؤل حول أسباب هذا التأخير، وما إذا كان مرتبطاً بحسابات سياسية تتجاوز الجوانب القانونية.

يُنظر إلى الموقف الأوروبي على أنه متناقض؛ فبينما تقدم أوروبا نفسها باعتبارها حامية للديمقراطية وحقوق الإنسان، فإنها لا تتخذ مواقف حاسمة عندما يتعلق الأمر بالقضية الكردية. ويرى أصحاب هذا الطرح أن أوروبا كانت جزءاً من النظام الإقليمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الأولى، والذي لم يعترف بالحقوق القومية والسياسية للكرد.

كما يُشار إلى أن التحولات الجارية في الشرق الأوسط جعلت القضية الكردية أكثر حضوراً وتأثيراً، وأن الكرد باتوا قوة سياسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها. لذلك يُعتقد أن استمرار السياسات القديمة لم يعد منسجماً مع الواقع الجديد في المنطقة.

وفي هذا السياق، يُطرح أن تحقيق تقدم في مسار الديمقراطية داخل تركيا يتطلب معالجة القضية الكردية، والاعتراف بالحقوق السياسية والقانونية المرتبطة بها. كما يُنظر إلى القائد آبو بوصفه شخصية مؤثرة في هذا الملف، ويُطالب بتنفيذ القرارات المتعلقة بـ “حق الأمل” وبمنحه وضعاً يتيح له المساهمة في أي عملية سياسية أو تفاوضية مستقبلية.

ويُعتبر استمرار تجاهل المطالب والالتماسات والملفات المقدمة إلى المؤسسات الأوروبية بشأن هذه القضية دليلاً، بحسب هذا الرأي، على أن الاعتبارات السياسية ما زالت تتقدم على الالتزامات القانونية وحقوق الإنسان.

كما تعلمون، عُقد في تركيا كونفرانس مهم بعنوان: “مؤتمر التحول الديمقراطي لتركيا في المئوية الثانية”، وقد نوقشت فيه قضايا مثل الاندماج الديمقراطي والتحول الديمقراطي للجمهورية، وشارك فيه عدد من الشخصيات المهمة، ما أهمية هذا الكونفرانس بالنسبة للعملية الجارية؟

كما ذكرت سابقاً، لا تحدث فقط تطورات سلبية، بل هناك تطورات إيجابية أيضاً، وهذا الكونفرانس يُعد من أهم المبادرات التي شهدتها الفترة الأخيرة في تركيا.

ففي الوقت الذي تعيش فيه تركيا أزمات بنيوية ومشكلات عميقة، وتنشغل فيه الساحة السياسية بصراعات السلطة والجدالات اليومية، جاء هذا الكونفرانس ليفتح نقاشاً يتناسب مع القضايا الحقيقية التي تواجه البلاد. وقد أظهرت الكلمات والمداخلات في يومه الأول تحليلات مهمة وإرادة واضحة للتغيير، كما أرسلت أحزاب سياسية مختلفة رسائل داعمة وذات دلالة.

ويُنظر إلى أن المشكلة الأساسية في تركيا هي مسألة التحول الديمقراطي، وأن اسم الكونفرانس يعكس جوهر القضية. فالحاجة قائمة إلى نقاشات وكونفرانسات ومؤتمرات مماثلة في مختلف مؤسسات ومجالات الحياة التركية.

ويرى أصحاب هذا الطرح أن بنية الجمهورية التركية التي تأسست قبل مئة عام قامت على أسس غير ديمقراطية، وأن جوهر هذه المشكلة يرتبط بإنكار الوجود الكردي وفرض هوية واحدة على مختلف المكونات القومية والثقافية. فإلى جانب الكرد، تعرضت مجموعات أخرى مثل الأرمن والشركس وغيرهم لسياسات فرض الهوية التركية الموحدة.

ويُطرح أن الخوف من المطالب الكردية أدى إلى إعاقة تطور الحياة الديمقراطية في تركيا، بحيث باتت قضايا العمال والنساء والعدالة والحقوق والحريات تُنظر إليها من خلال هاجس مرتبط بالقضية الكردية. ووفق هذا الرأي، فإن هذا الوضع ساهم في إضعاف قدرة المجتمع التركي على التعبير عن مطالبه والدفاع عن حقوقه.

وفي المقابل، أظهر الكونفرانس وجود رغبة حقيقية لدى شرائح مختلفة من المجتمع التركي للبحث عن حلول ديمقراطية. فقد شارك فيه ممثلون عن مكونات متعددة، من بينها اللاز والأرمن وغيرهم، كما كان للنساء حضور فاعل، وهو ما يُعد مؤشراً على وجود حراك اجتماعي وبحث جدي عن بدائل جديدة.

كما يُستحضر هنا ما جرى خلال عملية السلام بين عامي 2013 و2014، حين برز مثقفون وفاعلون من تركيا وكردستان سعوا لدعم جهود السلام، إلا أن التطورات السياسية اللاحقة والتشدد المتزايد في السلطة أديا إلى تراجع تلك المبادرات وإضعافها.

ويُدعى اليوم مختلف التيارات الديمقراطية واليسارية والمدافعين عن حقوق المرأة والحريات إلى التحلي بالشجاعة والانخراط بصورة أوسع في المجتمع، وعدم الاكتفاء بالمؤتمرات والنقاشات النظرية، بل تحويل هذه الأفكار إلى مطالب عملية وحراك اجتماعي منظم.

كما يُطرح أن هناك حاجة أكبر للتواصل مع المجتمع التركي وشرح الرؤية المتعلقة بمستقبل تركيا وقضايا الديمقراطية والسلام، لأن تحقيق السلام يتطلب مشاركة المجتمع وليس الدولة وحدها. ويُنظر إلى أن المجتمع التركي قادر على اكتساب معنى جديد ودور جديد إذا شارك في عملية التحول الديمقراطي.

وفي الختام، يُشدد على أن أهمية الكونفرانس لا تكمن في انعقاده فقط، بل في تحويل نتائجه إلى خطوات عملية ومطالب ملموسة تتعلق بالحقوق والحريات، مع التأكيد على أن المبادرات الداعية إلى السلام والتحول الديمقراطي ترتبط، بحسب هذا الطرح، بالدور الذي لعبه القائد عبد الله أوجلان في طرح هذه القضايا والدعوة إليها.

تتواصل عملية السلام والمجتمع الديمقراطي بجهود ومساعٍ كبيرة من القائد آبو. وفي الآونة الأخيرة أدلى أردوغان وبهجلي بتصريحات أكدا فيها ضرورة تسريع العملية. كيف تقيّمون هذه التصريحات؟ وهل ترون أن هناك خطوات عملية تعكس هذا التوجه؟

إذا كانوا يريدون بالفعل تسريع العملية، فليفعلوا ذلك. من الذي يمنعهم؟ فالتصريحات التي سمعناها خلال الفترة الأخيرة تتحدث عن زيادة الوتيرة وتسريع الخطوات، لكن الواقع لا يعكس ذلك. إن ترك واحدة من أخطر القضايا وأكثرها أهمية في تركيا في حالة من الغموض والتردد يثير الكثير من التساؤلات والقلق بشأن جدية العملية ومستقبلها.

دولت بهجلي يتحدث باستمرار عن دعمه للعملية ويطرح مقترحات مختلفة، كما أن القائد آبو قدم بدوره تقييمات ومقاربات مهمة في هذا الإطار. لكن المشكلة تكمن في غياب أي خطوات ملموسة على أرض الواقع. وفي الفترة الأخيرة اعترف أردوغان بأن العملية تمثل مبادرة للدولة، غير أن الدولة ما زالت تتجنب إعلان موقف واضح وحاسم، الأمر الذي يزيد من حالة الضبابية المحيطة بها.

من جانبنا قمنا بكل ما يقع على عاتقنا، فيما أُلقي العبء الأكبر للعملية على عاتق القائد آبو. فهناك من يتوقع منه المساهمة في حل الأزمات السياسية والاقتصادية والإقليمية التي تواجهها تركيا، لكنه في الوقت نفسه لا يتمتع بوضع قانوني وسياسي يتيح له القيام بهذا الدور. وهذا تناقض واضح.

نحن نؤمن بأن القائد آبو يمتلك رؤية وإرادة قادرتين على المساهمة في حل المشكلات العميقة التي تواجهها تركيا، لكن السلطة السياسية الحالية لا تهيئ الظروف اللازمة لذلك. كما أن الحديث عن استمرار العملية لا ينسجم مع واقعها الحالي، لأن الاستمرار يفترض وجود حركة وتقدم، بينما تبدو العملية وكأنها وصلت إلى نقطة معينة ثم توقفت.

إن نجاح عملية الاندماج الديمقراطي يتطلب قبل كل شيء الاعتراف بالمكانة السياسية والقانونية للمفاوض الرئيسي، أي القائد آبو. أما الاكتفاء بوعود مؤقتة أو إجراءات محدودة فلن يكون كافياً لتحقيق تقدم حقيقي.

وإذا كان الحديث عن “قرن تركيا” جدياً فعلاً، فينبغي توضيح مضمون هذا المشروع وما الذي سيجعله مختلفاً عن المرحلة السابقة. فالمشكلة الأساسية التي تواجه تركيا ما زالت قائمة، وأي تحول حقيقي لن يكون ممكناً من دون معالجة هذه القضية على أسس ديمقراطية.

بدأت عملية تشرين الأول عقب الدعوة التي أطلقها دولت بهجلي، والتي تضمنت حلّ حزب العمال الكردستاني وإنهاء الكفاح المسلح، مقابل فتح المجال أمام القائد آبو للاستفادة من حق الأمل والانخراط في العمل السياسي. واليوم، وبعد تنفيذ الخطوات المتعلقة بإنهاء الكفاح المسلح، يبقى السؤال مطروحاً: ماذا عن بقية الالتزامات؟ هل تم منح القائد آبو الحقوق التي جرى الحديث عنها؟

فالسياسة ليست مجرد تصريحات، بل هي أفعال وخطوات عملية. وإذا كانت الدولة جادة في تسريع العملية وتحويل “قرن تركيا” إلى مشروع حقيقي، فعليها اتخاذ إجراءات ملموسة، وفي مقدمتها الاعتراف بالوضع القانوني والسياسي للقائد آبو وتهيئة الظروف التي تسمح له بلعب دوره بصورة فعلية وإطلاق سراحه.

إلى جانب الأزمة الاقتصادية والتحديات السياسية التي تشهدها تركيا، تتواصل الاعتداءات ضد النساء وتتعمق السياسات التي تعزز التمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي. كما أثارت التصريحات العنصرية والمسيئة التي أطلقها رحمي كوج بحق النساء الكرديات ردود فعل واسعة في الأوساط الشعبية والسياسية. كيف تقيّمون هذه الخطابات والممارسات؟ وما الذي تعكسه عن واقع المرأة في تركيا اليوم؟

تُعد الذهنية الذكورية التي تنظر إلى المرأة بوصفها جنساً أدنى أحد الأسباب الرئيسية الكامنة وراء معظم المشكلات الاجتماعية. فالعلاقات القائمة على الهيمنة والإخضاع لا تزال تُعاد إنتاجها بأشكال مختلفة، الأمر الذي يجعل قضية حرية المرأة من أكثر القضايا إلحاحاً في تركيا اليوم.

وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى التصريحات المسيئة التي أطلقها رحمي كوج باعتبارها حادثة عابرة أو مجرد “مزحة”. فهي تعكس عقلية متجذرة ما زالت تتعامل مع النساء، ولا سيما النساء الكرديات، بمنطق التحقير والتمييز. وما أثارته هذه التصريحات من غضب وردود فعل واسعة يؤكد تنامي الوعي المجتمعي ورفض الخطابات العنصرية والمهينة.

في المقابل، تتعرض النساء في تركيا لأشكال متعددة من العنف والإقصاء. فجرائم قتل النساء تتكرر بشكل يومي، فيما تُقدَّم كثير من هذه الوقائع في وسائل الإعلام كأخبار عابرة، رغم أنها تعكس أزمة اجتماعية عميقة. كما تُبذل جهود مستمرة لحصر دور المرأة داخل الأسرة وإبعادها عن مجالات السياسة والاقتصاد والحياة العامة، من خلال سياسات وخطابات تعزز التبعية وتحد من استقلالية المرأة وقدرتها على اتخاذ القرار.

إن مواجهة هذه الظواهر تتطلب أكثر من مجرد إدانة حوادث العنف الفردية، فهي تحتاج إلى تغيير في البنية الفكرية والسياسات العامة التي تكرّس عدم المساواة. كما تتطلب تطوير سياسات أكثر فاعلية للدفاع عن حقوق المرأة وتعزيز مشاركتها في مختلف مجالات الحياة.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التضامن بين النساء ومؤسسات المجتمع المدني والقوى الديمقراطية من أجل مواجهة جميع أشكال التمييز والعنف، والعمل على بناء مجتمع يقوم على المساواة والحرية والعدالة.

كما أحيّي الموقف الذي أبداه أبناء الشعب الكردي في رفض التصريحات العنصرية والمسيئة، وما عبّروا عنه من حساسية عالية تجاه الكرامة والهوية والحقوق. فهذا الرفض يؤكد أن المجتمع بات أكثر وعيًا تجاه الخطابات التي تستهدف النساء والكرد وتسعى إلى إعادة إنتاج صور نمطية وتمييزية لم يعد بالإمكان القبول بها.

يصادف شهر حزيران ذكرى استشهاد عدد من القياديات والمناضلات اللواتي لعبن أدواراً بارزة في مسيرة حركة حرية المرأة الكردية، وفي مقدمتهن زيلان، وسما يوجا، وخانم يافركايا، وفيليز يرلي كايا. ماذا تمثل هذه الذكريات بالنسبة لكم؟ وما الرسالة التي تتركها تضحيات هؤلاء المناضلات للمرأة الكردية وللأجيال الجديدة؟

يحمل شهر حزيران مكانة خاصة في ذاكرة حركة حرية المرأة، فهو شهر يستحضر أسماء مناضلات تركن أثراً عميقاً في مسيرة النضال والبحث عن الحرية. وتُعد الشهيدة زيلان واحدة من أبرز هذه الرموز، إذ ارتبط اسمها بالإرادة والتضحية والتمسك بالقيم التي ناضلت من أجلها الحركة على مدى عقود.

كما تمثل الشهيدات سما يوجا، وخانم يافركايا، وفيليز يرلي كايا وغيرهن من المناضلات محطات مهمة في تاريخ نضال المرأة الكردية. فقد واجهن ظروفاً بالغة الصعوبة، وأسهمن في كسر القيود الاجتماعية والسياسية المفروضة على النساء، وفتحن الطريق أمام مشاركة المرأة في مختلف ميادين الحياة والنضال.

إن استذكار هؤلاء المناضلات لا يعني التوقف عند الماضي فحسب، بل استحضار المعاني والقيم التي جسدنها. فجوهر تجربتهن كان السعي إلى حياة حرة وذات معنى، والدفاع عن الكرامة والحرية في مواجهة الإقصاء والإنكار. ولهذا تحولت تضحياتهن إلى مصدر إلهام للأجيال اللاحقة وإلى رصيد معنوي للحركة النسائية الكردية.

واليوم، ورغم اختلاف الظروف، ما تزال الرسالة التي تركتها هؤلاء الشهيدات حاضرة بقوة. فهي دعوة إلى تعزيز تنظيم المرأة، وتوسيع مشاركتها في مختلف المجالات، وتحويل الإرث النضالي المتراكم إلى قوة قادرة على إحداث التغيير وبناء مجتمع أكثر عدالة وحرية.

إن التحدي الأساسي في المرحلة الراهنة لا يقتصر على الحفاظ على المكتسبات التي تحققت، بل يتمثل أيضاً في ترسيخ قيم الحرية والديمقراطية داخل المجتمع، وتعزيز دور المرأة بوصفها شريكاً أساسياً في صناعة المستقبل. فحرية المرأة تبقى معياراً لحرية المجتمع بأكمله، وأي مشروع للتحول الديمقراطي لا يمكن أن ينجح من دون مشاركة فاعلة للنساء.

وبهذه المناسبة، وفي ذكرى شهيدات شهر حزيران، أتوجه بنداء إلى جميع النساء بأن يستلهمن قيم زيلان ورفيقاتها، وأن يحولنّ هذه القيم إلى قوة حياة وتنظيم وعمل جماعي. فبناء المجتمع الحر يبدأ ببناء الإرادة الحرة، ومن خلال هذه الإرادة يمكن ترسيخ الحرية والديمقراطية في المجتمع بأسره.

لذلك أدعو الجميع إلى استذكار الشهيدة زيلان ورفيقاتها، والتعمق في تجربتهن ورسائلهن، واستلهام الدروس التي تركنها للأجيال القادمة.

to top