الحدث – بغداد
لم تعد الحرب في سوريا صراعاً عسكرياً للسيطرة على الأرض فحسب، بل تحولت إلى حرب على “الهوية” و”الرمز”. إن ما تقوم به الفصائل المسلحة التابعة للجولاني والمدعومة من أنقرة يتجاوز المفهوم التقليدي للمعارك؛ إنه استهداف ممنهج للكرامة الإنسانية لمكونات المجتمع السوري الأصيلة.
تتجلى هذه الاستراتيجية في ضرب “المقدس الاجتماعي” لكل طائفة وقومية. ففي الساحل السوري تعرض العلويون لانتهاكات ممنهجة وممارسات تهدف لترويع السكان وضرب الاستقرار الاجتماعي. وفي الجنوب (السويداء)، شكّل الاعتداء على شيوخ العقل الدروز وحلق شواربهم صدمة ثقافية، حيث يُعد الشارب في العرف الاجتماعي والديني لتلك المناطق رمزاً للشرف والمكانة. إن حلق الشارب قسراً ليس فعلاً جسدياً بقدر ما هو “اغتيال معنوي” ومحاولة لكسر شوكة طائفة كاملة وإذلال رموزها.
هذه الممارسات أسست لأرضية خصبة من الكراهية البينية، ومهدت الطريق لما هو أشد فظاعة في الشمال والشمال الشرقي.
ولا يمكن قراءة الهجوم الأخير على مناطق شمال وشرق سوريا بمعزل عن التبدلات في الموقف الأمريكي. إن قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي قدمت أكثر من 10 آلاف شهيد وآلاف الجرحى في معركتها الكونية ضد تنظيم “داعش” نيابة عن العالم، تجد نفسها اليوم ضحية لـ “الواقعية السياسية” الأمريكية الباردة المبنية على المصالح.
حيث يمكن قراءة الصمت الأمريكي -أو الضوء الأخضر الضمني- للهجوم التركي وهجوم مرتزقة الجولاني كطعنة في الظهر. هذا التخلي لا يضرب مصداقية واشنطن فحسب، بل تاركاً إياه فريسة للقوى الإقليمية المتربصة. والأخطر في هذا المشهد هو قيام الفصائل المهاجمة بفتح السجون وإطلاق سراح عناصر وقادة من تنظيمات إرهابية متطرفة (كانت قسد قد اعتقلتهم). عملية “إعادة التدوير” لهؤلاء العناصر ودمجهم في صفوف القوات المهاجمة تعني عملياً إعادة إحياء “داعش” بزي جديد، ليعيثوا فساداً وفوضى انتقامية.
وإذا كان “حلق الشوارب” يمثل كسر الهيبة التقليدية، فإن “قص الجدائل” يمثل قمة الحقد الأيديولوجي والذكوري ضد نموذج المرأة الحرة.
لا يغفر المتطرفون (سواء من داعش أو القاعدة/الجولاني) للمرأة الكردية أنها كانت السبب المباشر في هزيمتهم عسكرياً وأخلاقياً في كوباني والرقة والباغوز. العقيدة المتطرفة التي ترى في المرأة “عورة”، تحطمت أمام مقاتلات وحدات حماية المرأة (YPJ). وفي الثقافة الكردية، وفي أدبيات المقاومة في روج آفا، تمثل الجديلة (الضفيرة) ارتباطاً بالأرض، والأنوثة، والقوة في آن واحد.
وإن المشاهد المروعة لنحر المقاتلات والتمثيل بجثثهن وقص جدائلهن ليست مجرد أعمال وحشية؛ إنها رسالة سياسية. المرتزقة يقولون من خلالها: “نحن ننتقم من المرأة التي تجرأت على حمل السلاح بوجهنا”. إنهم يحاولون قتل “الفكرة” قبل الجسد؛ فكرة المساواة وتحرر المرأة التي طرحتها تجربة الإدارة الذاتية.
كل هذه الفظائع تصب في هدف استراتيجي واحد تشترك فيه أنقرة مع أدواتها المحلية وهو تدمير تجربة روج آفا.
تمثل هذه المنطقة -برغم كل التحديات- نموذجاً نقيضاً للفوضى والاستبداد والتطرف الديني. إنها تطرح نموذجاً للتعددية، العيش المشترك، وتمكين المرأة. وبالتالي، فإن الهجوم عليها هو هجوم على البديل الديمقراطي المحتمل لسوريا المستقبل.
إن إلهاب مشاعر الكرد والعالم الحر من خلال صور الجدائل المقطوعة والرؤوس المنحورة قد حقق نتيجة عكسية للمهاجمين؛ إذ أعاد تذكير العالم ببطولة هؤلاء النسوة وبشاعة أعدائهم، لكنه في الوقت ذاته يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية تاريخية.
إن الانتقال من “حلق الشوارب” كإهانة للرموز الدينية، إلى “قص الجدائل” كانتقام من المرأة المقاتلة، يرسم خطاً بيانياً لانحدار القيم في الصراع السوري بتوجيه خارجي.
إن ما يحدث هو محاولة لاغتيال الذاكرة والكرامة، وتأسيس نظام قائم على الخوف والتطرف على أنقاض تجربة ديمقراطية فتية. التاريخ لن يرحم من أعطى الضوء الأخضر، ولن ينسى من خان الحليف، ولكن الأهم أن “الجديلة” التي قُصت ستظل رمزاً أقوى من السيف الذي قصها، وشاهداً أبدياً على الفرق بين من يقاتل لأجل الحياة، ومن يقاتل لأجل الموت.
لازالت المقاومة مستمرة في كل مدن روج افا وخاصة كوباني/عين العرب التي منها كانت مسيرة افول والقضاء على داعش، لهذا نرى المرتزقة وبتحريض من تركيا للهجوم على كوباني لتحقيق حلم سيدهم اردوغان حينما قال: “كوباني سقطت، أو ستسقط”. لكن الشعب الكردي الذي انتفض في مل مكان دعما لمقاومة روج افا سينتصرون ويدحرون ثقافة الكراهية ومرتزقة الجولاني وتركيا كما فعلوا سابقا. والنصر دائما حليف المستقبل والهزيمة للماضوية السلفية أياً كانت دينية او قومجية.