الثلاثاء 3 فبراير 2026
القاهرة °C

دكتورة ليلي موسي تكتب : الانحياز والتضليل وصناعة الوهم

الحدث – القاهرة

يُدرك أي مراقب، دون عناء، أن جزءاً واسعاً من التغطيات الإعلامية العربية للمواجهات الأخيرة بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) لم يكن مجرّد انحياز سياسي عابر، بل ممارسة واعية لعملية تضليل مكتملة الأركان، جرى فيها توظيف اللغة، وانتقاء الوقائع، وإقصاء السياق، لخدمة هدف واحد هو تبرئة الحكومة الانتقالية في دمشق، وإدانة (قسد ) سلفًا، من دون تحقيق أو مساءلة، أو حدٍّ أدنى من التوازن المهني.
هذا التضليل لم يُقدَّم، في كثير من الأحيان، بصيغة مباشرة، بل جرى تمريره تحت غطاء الخبر العاجل والتحليل الهادئ، وهنا تكمن خطورته، إذ عندما تُقدَّم الرواية المنحازة على أنها توصيف محايد، لا يعود الإعلام ناقلًا للحدث، بل يتحوّل إلى شريك فعلي في صناعة الوهم.
أولى مؤشرات هذا الخلل ظهرت بوضوح في العناوين، خصوصاً على شاشات القنوات الفضائية، التي وصفت مشاهد الاشتباك منذ اللحظة الأولى بأنها (تحرك سيادي ) أو ( إجراء أمني) في حين جرى نعِت قوات سوريا الديمقراطية بتعابير فضفاضة من قبيل ( قوات مدعومة من الخارج) أو ( تشكيلات مسلحة) من دون أي تعريف حقيقي بطبيعتها، أو تاريخها، أو موقعها الفعلي على الأرض، وهكذا، وبجملة واحدة، حُسمت المعركة سياسياً قبل أن تُفهم ميدانياً.
وفي أكثر من منصة إعلامية، تكرّر البناء نفسه بشكل لافت، عبارة عن خبر قصير، ومصدر واحد وتعليق سريع من شخص يُقدَّم بوصفه (خبيراً استراتيجياً) معروف الاتجاه، ولغته التحريضية, ثم خاتمة توحي بأن ما جرى ليس سوى خطوة ضرورية في مسار ( استعادة الدولة) هذا التشابه في الصياغة والتحليل لا يمكن قراءته كصدفة تحريرية، بل كمؤشر واضح على وجود موجّه سياسي مركزي واحد، تُكتب الأخبار وتُفسَّر الأحداث، بناء على رؤيته ومواقفه.
ومع سبق الإصرار، جرى تغييب السياق الذي تطورت فيه المواجهات، حيث لم تُطرح الأسئلة البديهية التي تُفترض في أي تغطية مهنية، مثال لماذا اندلع التوتر الآن؟ ما الذي تغيّر سياسياً أو ميدانياً؟ ما طبيعة التفاهمات السابقة التي انهارت؟ ومن يتحمّل مسؤولية انهيارها؟ وهل هناك تفاهمات دولية طرأت على هذا الملف؟, إذ غابت هذه الأسئلة تماماً، وكأن الاشتباكات وُلدت من فراغ، وهذا يؤكد أن الإعلام الذي يتجاهل السياق لا يضلل بسبب ضعف أدائه، بل لأنه قرر مسبقًا النتيجة التي يريد إيصالها إلى المتلقي.
وفي حالات كثيرة، لجأت بعض التغطيات إلى انتقائية أخلاقية فاضحة، فعندما سقط قتلى في مناطق التماس، سُمّي بعضهم (ضحايا) فيما جرى توصيف آخرين ( قتلى ) تبعًا لهوية الطرف الذي ينتمون إليه، وهذا التلاعب بالمفردة لا يُفسَّر كزلة لغوية، بل كموقف سياسي كامل واضح لا يحتاج إلى كثير عناء لقراءته.
أما على مستوى التحليل، فقد تحوّلت بعض البرامج الحوارية إلى ما يشبه محاكم سياسية مفتوحة، طرف واحد يُستضاف ويُمنح الوقت ويعرض روايته بلا مقاطعة، وغالباً ما يكون من ممثلي الحكومة الانتقالية أو المقرّبين منها.
في المقابل، تُذكر (قسد) بضمير الغائب، أو بتعابير مبهمة مثل (هؤلاء) أو عبر اتهامات عامة لا تُدعَّم بأي دليل مادي، وبمقاطعة من يمثلها إذا وجِد، والهدف هنا لم يكن إتاحة فتح الباب للنقاش، بل لدفع المشاهد إلى خيار واحد هو التصديق، لا التفكير.
وبكل وضوح، فإن هذا النمط من التغطية يخدم هدفًا سياسياً يتجاوز اللحظة الراهنة، لأنه يسعى إلى إعادة إنتاج شرعية إعلامية للحكومة الانتقالية، لا عبر الوقائع، بل عبر مقارنة مضلِّلة، فحين يُقدَّم أي طرف سوري آخر، و (قسد ) ضمنه، بوصفه فوضوياً أو مشبوهاً أو (ميليشيا) تصبح السلطة القائمة – مهما كان سجلها – هي الخيار الوحيد الذي يُقدَّم على أنه عقلاني، لذا فالمعركة هنا لا تُدار في الميدان، بل في الوعي.
المفارقة أن هذا الإعلام نفسه، الذي يرفع شعار الدفاع عن الدولة ووحدتها، يتعمد تجاهل حقيقة أن (قسد) ليست كياناً طارئاً، بل واقعاً سياسياً – اجتماعياً فرضته سنوات الحرب، وله امتدادات محلية وعلاقات دولية لا يمكن محوها بخبر عاجل أو تحليل متحيز، وعليه فأن تحويل الإعلام إلى أداة لتصفية حسابات سياسية مؤجلة ليس صحافة، بل اصطفاف، ولا يُعد رصدًا مهنياً بقدر ما هو ترصّد مقصود, متغافلين عن حقيقة أن ما يجري الآن في سوريا هو مرحلة انتقالية, لكن نتاج التعاطي الإعلامي بهذه الصورة سيترك أثره على المشهد السوري لفترات مستقبلية طويلة.
ما شهدناه خلال الفترة الماضية – ولا نزال – ليس مجرد سوء تغطية، بل فشل أخلاقي ومهني في لحظة كان يفترض فيها أن يكون الإعلام أكثر مسؤولية. فالإعلام الذي يختار روايته مسبقاً، ثم يبحث عن الوقائع التي تخدمها، لا يُخبر جمهوره بما يجري، بل بما يريد له أن يعتقده.
والخطورة الحقيقية لا تكمن في الانحياز ذاته، بل في إدعاء الحياد أثناء ممارسته، في محاولة مكشوفة لإستغفال الجمهور الذي بات أكثر وعياً مما تفترضه تلك الشاشات, التي أصبحت شريكاً فيما يجري وسيحملها (التاريخ والشعوب) المسؤولية عن ما ستؤول اليه تطورات هذه الأحداث, التي خلقت شرخاً في المجتمع السوري, يحتاج إلى سنوات طوال, من أجل معالجة تداعياته, التي لن تقف عند حدود سوريا, بل ستطال المنطقة برمتها.

to top