الحدث – بغداد
في هذا المقال التحليلي سنتناول التحركات التركية في شمال العراق، مع التركيز على معسكر “بعشيقة” كقاعدة متقدمة لا تهدف فقط للتدريب العسكري، بل كأداة لتغيير المعادلات الديمغرافية والسياسية. حيث بعد انتهاء ما جرى في سوريا من معارك وتوسع سيطرة مرتزقة الجولاني على محافظتي الرقة ودير الزور، يدفعنا للتفكير ضمن إطار أوسع لما حدث في هذه الجغرافيا، ومدى تأثيرها إقليميا. حيث من الواضح أن تركيا تسعى لاستخدام المعسكر كـ “حصان طروادة” لإعادة تدوير عناصر متطرفة لربما تستقدمهم (من سوريا)، بعد التطورات التي حصلت هناك وفرار الكثير منهم من السجون والمعسكرات الاعتقال، واستخدامهم في معركة السيطرة على شنكال (سنجار) والموصل وكركوك، لتنفيذ وتحقيق طموح تركيا في “الميثاق الملّي”، وفي ظل تراجع القدرة التفاوضية للدولة العراقية.
لم يكن تأسيس معسكر بعشيقة (زليقان) في أطراف الموصل عام 2015 مجرد رد فعل آني على وجود داعش، بل كان تأسيساً لـ “موطأ قدم دائم”. وكان الهدف منه هو صناعة الوكيل المحلي،والهدف الأساسي لم يكن تقوية الجيش العراقي، بل إنشاء قوة سنية “موالية” (حرس نينوى سابقاً) تدين بالولاء لأنقرة، لتكون ورقة ضغط في أي تسوية سياسية مستقبلية تخص محافظة نينوى.
حيث أن وظيفة المعسكر الحالية، وفقاً للمعطيات على أرض الواقع،هو تحول المعسكر إلى غرفة عمليات متقدمة. الخشية الاستراتيجية تكمن في تحويله إلى نقطة تجميع للمقاتلين الذين سيتم نقلهم من الجبهات السورية. تركيا تمتلك خبرة واسعة في نقل المرتزقة (كما حدث في ليبيا وكارا باخ)، واستنساخ هذا النموذج في العراق عبر بعشيقة يعد سيناريو عالي الخطورة.
اتفاقات التهدئة والتحشيد البديل، وإن توقف المعارك بين “قسد” ومرتزقة “هيئة تحرير الشام” (الجولاني) بضغط دولي، يفسح المجال لإعادة توظيف هذه القوى الفائضة. حيث خطر “تدوير” الدواعش يتصدر حديث العامة في المنطقة. إن المعلومات التي تشير إلى إفراغ سجون أو معسكرات عوائل داعش ونقلهم، تضعنا أمام سيناريو كارثي. تركيا قد تستخدم هؤلاء العناصر كـ “وقود حرب” في شنكال. يتم تقديم هؤلاء ليس بصفتهم “دواعش”، بل تحت مسميات جديدة (فصائل عشائرية، حراس حدود، إلخ) لشرعنة وجودهم داخل بعشيقة أو في محيط كركوك.
لربما تكون شنكال (سنجار) الذريعة والهدف بنفس الوقت. حيث تمثل شنكال العقدة الجيوسياسية الأهم لتركيا لعدة أسباب؛ منهاذريعة تواجد العمال الكردستاني (PKK). ورغم إعلان الحزب عن حلّ نفسه وحرق الأسلحة، وكذلك أعلن للرأي العام ووسائل الإعلام عن سحب قواته أو تحوله للنضال السياسي، فإن العقيدة العسكرية التركية لا تعترف بالفروقات بين الحزب وبين القوى الإيزيدية المحلية (YBŞ). تركيا تحتاج إلى “عدو دائم” لتبرير التوسع. وتهدف تركيا بهذه الذريعة السيطرة على شنكال التي تعني قطع الطريق البري الواصل بين مناطق الإدارة الذاتية في سوريا وبين العراق.
ولربما ووفق العقلية التركية بأنها ستستخدم معسكر بعشيقة كـ “حصان طروادة“. والهجوم على شنكال انطلاقاً من بعشيقة أو عبر وكلاء محليين سيعني تطويق الموصل من الغرب والشمال، مما يجعل المدينة “ساقطة عسكرياً” بيد النفوذ التركي دون الحاجة لاجتياحها تقليدياً.
التحرك التركي ليس أمنياً فحسب، بل هو تطبيق لـ “العثمانية الجديدة” التي ترى في الموصل وكركوك إرثاً تركياً تم اقتطاعه ظلماً. وكل ذلك تحت حجة حماية التركمان. يتم استخدام الورقة التركمانية في كركوك وتلعفر. الهدف هو خلق نفوذ سياسي مباشر يربط هذه المحافظات اقتصادياً وأمنياً بأنقرة. وكذلك الهيمنة الاقتصادية. حيث يعتبر السيطرة على كركوك (النفط) والموصل (طريق التجارة) هي جوهر مشروع “طريق التنمية” الذي تريده تركيا أن يكون ممراً خاضعاً لشروطها، وليس مشروعاً عراقياً سيادياً.
الموقف العراقي لا يُحسد عليه، حيث وقع في فخ الاتفاقيات واختلال التوازن. ويعاني العراق من “شلل استراتيجي” في مواجهة هذه المخططات لعدة أسباب جوهرية منها، الاتفاقيات الأمنية الأخيرة والمائية، منحت تركيا شرعية التوغل مقابل وعود مائية “غير ملزمة” ومشاريع اقتصادية. وحتى يمكننا التخمين بأن العراق قايض “السيادة الأمنية” بـ “أوهام اقتصادية”. ولعل من أكبر خطايا العراق هو حظره “العمال الكردستاني”، حيث بمجرد أن صنف العراق الحزب كمنظمة محظورة بطلب تركي، فقدَ ورقة ضغط قوية كان يمكن استخدامها لموازنة النفوذ التركي. وكذلك تركيا تمسك بـ “صنبور المياه”، مما يجعل المفاوض العراقي في موقف الضعف الدائم، غير قادر على التصعيد الدبلوماسي أو العسكري.
ولربما تعمل تركيا في قادم الأيام على انشاء “المنطقة العازلة” الموسعة. لتحويل الشريط الحدودي (بعشيقة – شنكال – دهوك) إلى منطقة نفوذ خالصة، مشابهة للشريط الحدودي في شمال سوريا، يتم إدارتها عبر وكلاء محليين. ومن أجل الوصول لهذا الهدف لربما تعمل تركيا على خلق فتنة “عربية – كردية”، وتستخدم تركيا العناصر المتطرفة أو العشائرية التي دربتها لضرب الاستقرار في كركوك والموصل، مما يخلق صراعاً داخلياً يبرر تدخلها المباشر “لفرض السلام” وحماية التركمان. وفي النهاية تصل تركيا لهدفها في تطويق إقليم كردستان. والسيطرة على شنكال والموصل تعني خنق إقليم كردستان اقتصادياً وجغرافياً، وإجبار أربيل وبغداد معاً على الدوران في الفلك التركي.
إن معسكر بعشيقة هو “رأس الحربة وحصان طروادة” لمشروع جيوسياسي أكبر يهدف إلى مراجعة خرائط ما بعد لوزان. العراق، بسياسته الحالية وتنازلاته الاستراتيجية، يسهل مهمة أنقرة في قضم الأراضي العراقية تدريجياً. ما لم يتم بناء “استراتيجية ردع وطنية” وتدويل قضية الاعتداءات التركية، فإن سيناريو ضم الموصل وكركوك (بحكم الأمر الواقع والتبعية الاقتصادية) يصبح مسألة وقت لا أكثر.