الحدث – القاهرة
شهدت المنطقة في العقد الأخير ظهورَ تنظيم داعش كظاهرة استثنائية في العنف والتطرف، مما أثار تساؤلات عميقة حول جذور هذه الظاهرة وآليات انتشارها. نعمل على تقديم تحليلاً شاملاً للعوامل التي أفرزت هذا التنظيم، مع اقتراح إطار لمواجهته فكرياً ومؤسساتياً.
تشخيص الظاهرة – داعش كنتاج لسياقات متعددة، ويمكن البدء في السياق الحضاري والهوياتي. حيث تعيش المنطقة أزمة هوية حادة بين التراث والحداثة. لقد خلقت عملية التحول السريع غير المتوازن فجوة بين الماضي والحاضر، حيث يتم تبني أشكال الحداثة المادية (التكنولوجيا، الاستهلاك) مع بقاء البنى الفكرية في كثير من الأحيان محصورة في تفسيرات جامدة للتراث. هذه الازدواجية أنتجت شرخاً وجودياً يستغلّه المتطرفون.
وعلينا ألا ننسى العوامل البنيوية المؤسسة. حيث مرحلة الاستعمار وتشكيل الدولة الوطنية لعبت دوراً لا يمكن التغافل عنه بتاتاً. ترك الاستعمار حدوداً مصطنعة وأنظمة حكم ضعيفة الشرعية، مع تقويض البنى الاجتماعية التقليدية دون استبدالها بنظم حديثة متجذرة. وكذلك الاقتصاد الريعي والفساد، حيث أدت اقتصادات الريع إلى تقويض العقد الاجتماعي، وخلق شباب محبطين بلا مستقبل، مما يجعلهم عرضة للخطابات الجذرية. وأيضاً القمع السياسي والاستبداد كان من العوامل الهامة في ظهور هذه التنظيمات. حيث منعت النظم السلطوية التعددية والفكر النقدي، مما حوّل الدين إلى ملجأ أخير للمعارضة، ثم استُغل من قبل المتطرفين.
والنقطة الهامة الأخرى هي العولمة والفضاء الافتراضي. كما يلاحظ بدقة، فإن “القرية الصغيرة” التي أنتجتها العولمة لم تكن مجرد تقارب إنساني، بل كانت أيضاً مجالاً لانتشار الأفكار المتطرفة عبر الفضاء الإلكتروني الذي يتجاوز الحدود ويسهل تجنيد الشباب، ونشر ثقافة الاستهلاك السريع التي تطال حتى الخطاب الديني، فيتحول إلى سلعة مثيرة، وساعد على العزلة الاجتماعية رغم الاتصال التقني، مما يخلق فراغاً وجودياً.
وبكل تأكيد الكثير يؤكد بأن “داعش” ما هو إلا ظاهرة وظيفية في النظام الدولي. واضح وبشكل لافت إلى أن داعش هي “صناعة قوى الحداثة الرأسمالية”. يمكن تفسير ذلك من خلال نقاط عدة؛ أهمها وهي حاجة النظام الدولي إلى “عدو” جديد بعد انتهاء الحرب الباردة، لتبرير السياسات الأمنية والتدخلات، وكذلك اقتصاد الحرب الذي يغذي قطاعات صناعية ومالية كبرى، واستمرار الهيمنة عبر إبقاء المنطقة في حالة عدم استقرار. وبذلك تحولت داعش إلى أداة في الصراعات الإقليمية، حيث استغلها العديد من الفاعلين لتحقيق مكاسب تكتيكية، مما أعطاها مساحة للانتشار والتوسع.
والأمر الهام الذي ينبغي التعمق فيه هو الإطار الفكري والثقافي المساعد على ظهور هذا الفكر وانتشاره. حيث يمكن اعتبار أن المنطقة تعيش أزمة معرفية عميقة جداً. حيث الجمود الفقهي حول بعض الخطابات الدينية إلى نصوص مغلقة ترفض القراءة التاريخية والسياقية. وكذلك انهيار المؤسسات الدينية التقليدية مع ظهور “الشيخ الرقمي” غير المؤسسي. وأيضاً الصدمة الحضارية، الانتقال من “مهد الحضارة” إلى التخلف خلق رد فعل عنيف هوياتي. والأمر الآخر هو العقلية الاستهلاكية والتسطيح. حيث تحول الدين في بعض الخطابات إلى سلعة استهلاكية سريعة، تُقدّم في حزم جاهزة (فيديوهات، فتاوى، خطابات) تلبي حاجة الشباب للهوية والبساطة في عالم معقد.
وبعد كل ذلك ألا من سبل وأساليب لمواجهته؟ بكل تأكيد ثمة أفكار وحلول كثيرة يتم طرحها في الكثير من الدراسات المختلفة والصادرة من المجتمعات بشكل عام. والتي تركز معظمها على أن الخطوة الأولى للحل هي بالتوقف على البعد الفكري والوعي النقدي. وذلك من خلال إعادة بناء الخطاب الديني، عبر قراءة تراثية تاريخية تنزع القداسة عن الفتاوى المتطرفة وتعيد ربط الدين بالأخلاق الإنسانية الكونية. وكذلك تعزيز العقل النقدي، والثقة بأن “القضاء على داعش يبدأ من الذات والداخل” عبر التساؤل والتحليل وعدم القبول بالمسلّمات. وأيضاً مواجهة ثقافة الاستهلاك وذلك بتعزيز قيم الإنتاج والإبداع بدلاً من الاستهلاك السلبي.
وثمة بعد آخر لا يمكن التغافل عنه ألا وهو البعد المؤسساتي. والذي يبدأ من إصلاح التعليم وتحويله من التلقين إلى تنمية التفكير النقدي والمواطنة الفاعلة. وكذلك إعادة بناء المؤسسة الدينية لتكون مؤسسات تنافسية قادرة على تقديم خطاب ديني وسطي متجذر في الواقع، وبعيد عن الشحن الطائفي. ولا ننسى الاعتماد على اقتصاد المشاركة، وتحويل الاقتصاد من الريعي إلى الإنتاجي الذي يوفر فرصاً حقيقية للشباب.
أما البعد السياسي والاجتماعي والذي يبدأ من العقد الاجتماعي الجديد وبناء نظم سياسية تشاركية تحترم التعددية وتضمن الكرامة للجميع. وكذلك العدالة الاجتماعية، حيث لا يمكن مواجهة التطرف مع وجود “من تحت خط الفقر يبحث عن لقمة خبز”. وأيضاً تجذير الديمقراطية وتحويلها من شكل إلى ممارسة يومية في المؤسسات الصغيرة (العمل، النقابات، الجمعيات).
وهذا يلزمه أن نضع شعار نلتزم به وليكن “نحو مشروع حضاري بديل”. فإن داعش “حالة وظيفية ظهرت وستختفي وستظهر في جغرافيا أخرى بنفس الجوهر ولكن بشكل آخر”. لذلك فإن المواجهة الحقيقية ليست عسكرية فقط، بل هي مواجهة فكرية وحضارية شاملة.
كانت في العراق ومن بعدها سوريا وانتشرت في بلدان أخرى، ولطن هاهي تعود ثانية ويتم تعويمها من نفس الأطراف ومنحوها إكسير الحياة ثانية لتحقق مصالحهم. تتغول رويداً رويداً في سوريا بمباركة إقليمية ودولية كبيرة، كي يتم استخدامها في دول الجوار وما بعد الجوار، وفق لمن يتنازل أكثر ويحقق أطماع أصحاب ثقافة جزيرة أبيستين.
إنه صراع ما بين ثقافتين تتصارعان منذ آلاف السنين، لربما طغت إحداهما على الأخرى، لكنها لم تستطع إفناءها. ولا زال الصراع مستمراً، إنه صراع ثقافة “السلطة” مع “المجتمع”. ثقافة السلطة التي تعتبر جزيرة أبيستين، ثقافتها المركزة طيلة آلاف السنين وحتى راهننا، وتحاول تطبيعها على الجميع لتقبلها وكأنه شيء عادي، ولا داع لهذا رد الفعل العنيف اتجاهها. حيث يكون فيها المجتمع مشتت ومنفصل عن طبيعته المجتمعية، وليكون بكل فئاته عبارة عن مواد استهلاكيه لنخبة من المتغولين البشر، ليفعلوا ما شاؤوا بالأطفال والنساء. ومقابلها ثقافة المجتمع التي تعمل على إعادة المعنى له من خلال الإرتقاء بكل فئاته بدءًا من الأطفال ووصولاً للمرأة والرجال. أقول الرجال وليس الذكور، وشتّان ما بين الاثنين من معنى. ثقافة تعتمد العيش المشترك ما بين الكل بعيداً عن الحساسية الدينية والعرقية والإثنية.
المطلوب هو “بناء مجتمع أخلاقي وسياسي يعتمد أخوة الشعوب أساسًا له”، عبر مشروع نهضوي يعيد ربط المجتمع بتراثه الإنساني الخلاق، ويتبنى الحداثة بشكل نقدي وانتقائي، ويبني مؤسسات تحقق الكرامة والعدالة للجميع.
هذا المشروع يجب أن ينبع من الداخل، لأن “الحل يكمن فينا وليس الاستنجاد بالآخر”، مع الاعتراف بأن “كنا التربة الخصبة لإنتاشهم”. إنها معركة وجودية تحتاج إلى شجاعة فكرية لنقد الذات أولاً، ثم بناء البديل ثانياً.
3 ساعات مضت