الحدث – القاهرة
كثرة الاتهامات في الآونة الأخيرة من قبل البعض الذين يعومون في مستنقع القوموية الدولتية ويتنفسون رائحة بناء الدولة على حساب المجتمع. وللوقوف على هذه الإشكالية القائلة بانهيار فلسفة “الأمة الديمقراطية” في سوريا على وقع التحولات الجيوسياسية الأخيرة وهجمات الفصائل المتطرفة (هيئة تحرير الشام/الجولاني)، مع دعم ممن سموا أنفسهم بـ “فزعات العشائر”، وذلك بدعم أو صمت إقليمي وغربي. وأن الخلط بين “انحسار السيطرة العسكرية” و”سقوط الفلسفة” هو خطأ منهجي؛ إذ أن الأمة الديمقراطية مشروع قيمي وجودي، وليس مناورة سياسية. وأن ما يجري هو محاولة ممنهجة من “العقلية الدولتية الذكورية” لإجهاض نموذج “العيش المشترك” و”ثورة المرأة” لأنهما يشكلان نقيضاً بنيوياً لمصالح القوى المهيمنة، وليس دليلاً على فشل النظرية ذاتها.
حيث يمكن موضعة هذه المقاربات في خانة “فخ المصطلحات وسوء الفهم البنيوي”، عند من يدّعون الثقافة أو علم السياسة. حيث في خضم التحولات العسكرية المتسارعة في دير الزور والرقة، وانزياح البوصلة الغربية البراغماتية نحو فصائل تقليدية سلطوية (مثل نموذج الجولاني)، تم تعيينها كسلطة مؤقتة في العاصمة دمشق من قبل قوى إقليمية ودولية بهدف تحقيق مصالحها. وعليه، سارعت العديد من الأقلام لإعلان “نعي” فلسفة الأمة الديمقراطية. حيث يعاني هذا الطرح من قصور معرفي جوهري؛ فهو يحاكم “فلسفة مجتمعية” بأدوات “الواقعية السياسية”.
إن الأمة الديمقراطية ليست حزباً يسعى للسلطة، بل هي عقد اجتماعي يسعى لإعادة تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع خارج سطوة الدولة القومية. وبالتالي، فإن خسارة جولة عسكرية أو انحياز حليف تكتيكي لا يعني انهيار الفلسفة، بقدر ما يعني اشتداد الصراع بين نموذج “إدارة المجتمع لنفسه” ونموذج “إدارة الدولة للمجتمع”.
ويمكن اعتبار العيش المشترك مقابل “فن الممكن”: ما هو إلا صراع المبادئ والمصالح. حيث تتميز السياسة التقليدية بكونها “فن الممكن”، والمراوغة، وتبدل التحالفات بناءً على المصلحة الآنية. في المقابل، تقوم فلسفة الأمة الديمقراطية على مبدأ “العيش المشترك” كقيمة أخلاقية ثابتة لا تخضع للمساومة. وإن عدم انخراط القائمين على مشروع الإدارة الذاتية في “بازارات” بيع المواقف (كما تفعل الأنظمة الدولتية) ليس سذاجة سياسية، بل هو التزام بجوهر الفلسفة. وحتى أنه يمكننا القول إن القائمين على المشروع تقربوا بـ “حسن نية” ثورية من واقع دولي لا يفهم إلا لغة المصالح. هذا التقرب لم يكن ضعفاً، بل محاولة لفرض معادلة أخلاقية في عالم لا أخلاقي. إن عدم نجاح هذه المعادلة فورياً لا يطعن في صحة الفلسفة، بل يفضح توحش النظام العالمي الذي يفضل التعامل مع “أمراء الحرب” المنضبطين تحت سقف الدولة، على التعامل مع “شعوب حرة” تدير نفسها.
حيث كانت ثورة المرأة كتهديد وجودي للنظام الأبوي السلطوي، ولعلها النقطة الأكثر جوهرية في استهداف هذا المشروع تكمن في ركيزته الأساسية: “المرأة”. لقد قدمت الأمة الديمقراطية نموذجاً غير مسبوق في الشرق الأوسط، حيث انتقلت المرأة من كونها “موضوعاً” للسياسة إلى “فاعل” مؤسس لها. فالعقلية الذكورية الممتدة منذ آلاف السنين، تمثل الأنظمة الإقليمية والفصائل المتطرفة (كالجولاني)، الذي يعتبر امتداداً لثقافة السلطة الذكورية المتجذرة منذ آلاف السنين.
لماذا الآن؟ نجاح المرأة في قيادة المعارك ضد “داعش” وبناء مؤسسات مدنية، أرسل موجات ذعر في العقل اللاواعي للأنظمة السلطوية. لذا، فإن التحالف الضمني بين قوى متباينة (غرب، قوى إقليمية، فصائل إسلامية) لضرب هذا المشروع، هو في جوهره “دفاع عن النظام الأبوي” ضد بديل ديمقراطي حقيقي يهدد بنية المجتمعات التقليدية.
من المغالطات المنطقية القول إن المشروع ينهار لأنه فاشل؛ الحقيقة هي أنه يُهاجم لأنه نجح. حيث نجح العيش المشترك (بشكل نسبي وملحوظ) في توحيد الكرد والعرب والسريان في خندق واحد ضد أعتى تنظيم إرهابي (داعش). هذا التلاحم هو ما تفتقده “الدولة القومية” التي تقتات على التفرقة. وكذلك أدركت القوى الدولية (العقلية الدولتية) أن استمرار هذا النموذج سيخلق “عدوى ديمقراطية” في المنطقة. لذا، كان لا بد من إفساح المجال لقوى “وظيفية” (مثل هيئة تحرير الشام) لضرب الاستقرار، بهدف إثبات أن “الدولة المركزية” أو “الرجل القوي” هو الحل الوحيد، وبالتالي وأد المشروع الديمقراطي في مهده.
وبكل تأكيد أن الفلسفة لا تموت بالجغرافيا. إن انحياز الغرب لمصالحه مع قوى الأمر الواقع السلطوية في الهجمات الأخيرة على الرقة ودير الزور، هو وصمة عار على جبين “الديمقراطية الغربية” وليس على “الأمة الديمقراطية”. إن الفلسفة التي استطاعت أن تزرع بذور أخوة الشعوب وتحرر المرأة في أكثر البيئات تعقيداً، لا تنهار بخسارة نقطة عسكرية. إن ما نشهده ليس موتاً للفكرة، بل هو الفصل الأصعب في صراعها ضد تاريخ طويل من الاستبداد. قد تنحسر الجغرافيا، لكن الفلسفة التي لامست وجدان الشعوب وتجاوزت “المصالح الآنية” ستظل حية، لأنها ببساطة: حاجة مجتمعية وليست سلعة سياسية.
التشهير ببعض الإداريين والمسؤولين الذين كانوا على رأس هذا المشروع، لا يمكن وصفه إلا بأن أصحاب هذه الهجمات والانتقادات اللاذعة، يعيشون في جهل مفاهيمي وقيمي كبير، لا تتعدى ذاكرتهم حدود سياسية ترسم ملامح دولة على حساب حرية المرأة والمجتمع. الهجمات الصادرة من بؤر معروفة العقلية والمنهج لا يعني إلا أنهم مستمرون في القضاء على أي محاولة لثورة مجتمعية تكون المرأة عمادها. يحاولون المحافظة على المجتمع النمطي الاستهلاكي والبعيد عن التحول الفلسفي المجتمعي. كل ثورة إن لم يكن هدفها التغيير المجتمعي، وتصرّ على الانتصار العسكري والسياسي، ما هي إلا محاولة لتعويم نفس العقلية مع تغيير الشخوص. لذلك لا يمكن اعتبار هروب الرئيس السابق هو سقوط للنظام، في وقت أن عقلية البعث لا زالت قائمة ولكن بلبوس ديني طائفي هذه المرة.
لذلك نتفهم أصحاب هذه العقول التي لا تريد ان يتحرر المجتمعي ويكون فيه المسؤولون عبارة عن موظفين لخدمة المجتمع، بل يحاولون أن يعملوا على تأليه الرئيس وجعل المجتمع عبارة عن رعاع يسيرون كقطيع ينتظرون دورهم على باب مسلخ المصالح السلطوية.
فلسفة الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب والعيش المشترك، هو المنهج الذي من خلاله يمكن أن يعبّر المجتمع عن نفسه وذلك من خلال إدارة ذاته بنفسه. وبكل تأكيد أن ثورة البارزاني لم تنهار في 1975 والهجرة المليونية في تسعينيات القرن الماضي بسبب تمسكها بفلسفة الأمة الديمقراطية، بقدر ما كانت موازين إقليمية ودولية، مثلما حلَّ الآن في روج أفا/شمال وشرق سوريا. وكذلك لم تنهار جمهورية مهاباد بسبب تمسكها بفلسفة الأمة الديمقراطية وغيرها الكثير من ثورات الكرد عبر التاريخ. وهنا لا يمكننا إلا أن نقول لهؤلاء الذين قلوبهم على كردستان “قليلاً من الإنصاف”، لا غير.
3 ساعات مضت