الجمعة 1 مايو 2026
القاهرة °C

ليلي موسي تكتب : «الصراع الأمومي–البطريركي في البنية الثقافية»

الحدث – القاهرة

لا يمكن النظر إلى استراتيجية ومقاربات الحكومة السورية الانتقالية حيال وحدات حماية المرأة بمعزل عن السياق التاريخي لديمومة الصراع بين ثقافة السلطة البطريركية الأبوية الساعية إلى الهيمنة والأحادية، وبين ثقافة الإلهة الأم المقاومة، الساعية لاستعادة دورها التاريخي المغتصب بفعل الهيمنة والسطوة والمكر.
تأسيس وحدات حماية المرأة بقيادة وريادة المرأة الكردية لم يكن مجرد لحظة عابرة، بل شكل لحظة تاريخية فارقة؛ هذه اللحظة التي دقت ناقوس إعلان العودة والإحياء من جديد. إحياء يحمل في طياته ميلادًا وتجددًا وقطيعة مع صفحة الاستبعاد والاستعباد. لحظة وحدت الماضي والحاضر لتبشر بميلاد مستقبل هُندست ملامحه بإرادة واعية حرة. لم تكن جغرافية شمال شرق سوريا مجرد موقع جيوسياسي عابر، بل إن هذه الجغرافية تشكل قلب الحضارة التي أنتجت ثقافة الأمومة.
تعلن هذه التجربة عن ميلاد جديد يتجاوز فلسفة ديكارت: «أنا أفكر إذن أنا موجود»، حيث أوجد ديكارت علاقة ديالكتيكية بين الفكر والوجود كدلالة يقينية لإثبات الوجود وإضفاء المعنى عليه. بينما تجربة المرأة في شمال وشرق سوريا أحدثت تحولًا في معنى الوجود لتضيف بُعدًا آخر لتلك الفلسفة: «أنا حر إذا أنا أفكر». عبر إيجاد علاقة ديالكتيكية بين الفكر والوجود، إذ إن مجرد الفكر لا يمنح الوجود معنى وقيمة ما لم ينتج هذا الفكر الحرية.
هذا التأسيس، أقصد وحدات حماية المرأة، لم يكن مجرد إعلان نظرية تُدرّس في المناهج وتُناقش في المؤتمرات والندوات، بل تحولت إلى فلسفة حياة ونهج سلوك يومي وثقافة معاشة في جميع تفاصيل الحياة اليومية.
تأسيس هذه الوحدات بحد ذاته كان ثورة على الماضي بكل ما يحمله من أعراف وتقاليد وقيم حطّت من شأن المرأة، ولعل خير تجسيد لتلك الثورة انتصارها على تنظيم داعش. فالمرأة انتصرت على داعش بالفكر والثقافة قبل كل شيء.
لقد انتصرت هذه الثقافة على الإرهاب والتطرف، وعلى الصورة النمطية لدور المرأة داخل المجتمع، وكانت بداية لنفض غبار الماضي وإحياء روح وفلسفة الأم الإلهة لتعود بحلة جديدة تتوافق مع روح العصر.
هذه الروح المقاومة، التي عاشت عبر قرون طويلة من التضحيات والآلام والمعاناة، وجدت أخيرًا ضالتها في تلك الجغرافية التي فُقدت فيها. وليس من المصادفة عند الحديث عن الجغرافية التي هُزمت وسُلبت فيها الحقوق؛ إذ ربما تستطيع النساء استعادتها في مكان آخر، ما لم يتم معالجة الأزمة من الجذر والتحرر من أسبابها، فلن يتحقق النصر عبر معالجة التداعيات والأسباب الثانوية.
هذه الوحدات التي استطاعت أن تعلن الحرب على الإرهاب والتطرف في وقت استسلمت فيه دول له، تحولت إلى نموذج ملهم لجميع الحركات النسوية والشعوب المقهورة لنيل حريتها. وهي جديرة بأن تُدعم وتُعمم، وجديرة بأن يُنظر إليها ويُدرس أثرها بعمق، وجديرة بأن تُحترم وتُقدّر وتُكافأ تقديرًا لدورها والتضحيات التي قدمتها. ونحن هنا لا نتحدث عن تجربة عسكرية بحتة، بل عن تجربة حضارية وثقافية وفكرية تحررية.
ما يظهر من مقاربات الحكومة الانتقالية دليل على تجذّر الثقافة الأبوية البطريركية التي تجد ديمومتها واستمراريتها في الإقصائية والسيطرة ونفي الآخر. وهذه الثقافة ليست جديرة بالاستمرار، وإن اتخذت أشكالًا ورؤى مختلفة، تجلت أحيانًا في مفاهيم واضحة وصريحة كما وصفها أفلاطون في جمهوريته الفاضلة، حيث لم يجد للنساء تصنيفًا ضمن طبقات المجتمع واعتبرهن أقرب إلى العبيد، أي أدنى الطبقات وأقلها قيمة. وأحيانًا أخرى تظهر بمفاهيم منمقة ومغلقة بتوصيفات براقة، وهي في الجوهر لا تختلف عن مواقف أفلاطون ومن سبقه ولحقه.
لذا، في سوريا لا يمكن القول إن الثورة نجحت بإسقاط البعث ومنظومته الفكرية ما لم تُسقط المنظومة الأبوية، وتضمن مشاركة حقيقية للنساء في استعادة دورهن الريادي والقيادي في الإدارة وصناعة القرار. وتجربة وحدات حماية المرأة جديرة بأن تُكافأ، بينما مقاربات الحكومة بحصر دورها ضمن الشرطة النسوية، أو التذرع بعدم تضمين هياكل وزارة الدفاع لقوة نسوية، تمثل في حقيقتها تناقضًا مع خطابها، خاصة أنها تحدثت مرارًا عن اللامركزية، التي تمتلك بدورها قدرًا كبيرًا من الديناميكية والمرونة في التكيف مع المعطيات الواقعية.
وتجربة وحدات حماية المرأة، التي تجاوز عمرها عقدًا من الزمن، تمثل جيلًا كاملًا ترعرع وعاش في ثناياها وتحول إلى فلسفة حياة لا يمكن تجاوزها. والحكمة تقتضي دعمها لا الالتفاف عليها، إذ إن الرفض يولّد مزيدًا من الإصرار والمقاومة، خاصة وأن هذه الوحدات نتاج إرادة واعية حرة، وليست ولادة ضرورة وحاجة فقط.

to top