الحدث – القاهرة
في الأيام القليلة الماضية، تصدر القائد العسكري لحزب العمال الكردستاني، “مراد قرة يلان”، عناوين الأخبار بتصريحات حادة اتهم فيها الحكومة التركية بـ”تجميد” عملية السلام فعلياً. هذه التصريحات، تأتي بعد أكثر من عام من التفاؤل الحذر الذي أعقب نداء القائد عبد الله أوجلان التاريخي في فبراير 2025 لحل الحزب ونبذ العنف.
فبينما يعلن الجانب الكردي عن خطوات استراتيجية غير مسبوقة، كتغيير بيان الحزب التأسيسي وإنهاء الكفاح المسلح بشكل رمزي، يرى أن أنقرة لا تزال تراوغ وتماطل، وتصرّ على فرض شروط تعتبرها بمثابة استسلام. ما حقيقة هذا الجمود؟ ولماذا تبدو تركيا، كأنها تتعامل مع أخطر ملفاتها بحذر شديد – أو بعبثية متعمدة؟
تصريحات مراد قرة يلان، القيادي البارز في حزب العمال الكردستاني، تحمل تفاصيل دقيقة تكشف جوهر الأزمة الحالية. فوفقاً لقرة يلان، فإن الحزب قد أوفى بكامل التزاماته واتخذ “أكثر القرارات استراتيجية في تاريخه”، والتي تضمنت؛ إعلان وقف إطلاق النار وإنهاء “الكفاح المسلح” رسمياً، وهو ما يمثل خطوة استراتيجية هائلة لحزب خاض حرب كريلا وعصابات لعقود. وكذلك حرق الأسلحة في احتفالات رمزية لإثبات النوايا الحسنة والإجراءات الأحادية. وأيضاً سحب المقاتلين من “شمال كردستان” (المناطق الكردية في تركيا)، وبعض أماكن التماس الساخنة.
وهنا يصل قرة يلان إلى نقطة الخلاف الجوهرية. ووفقاً له، ردت أنقرة على هذه التنازلات الهائلة بثلاثة أشكال من الجمود:
1. غياب أي خطوات قانونية: فهي لا تزال تتعامل مع تطورات هذا الملف بالمراسيم الإدارية فقط. فالقرارات التي تتخذها السلطة التنفيذية تفتقر إلى الأساس القانوني الدستوري، ويبدو أن أنقرة لا تفعل شيئاً يذكر في هذا الاتجاه.
2. الإصرار على الشرط المقلوب: تركيا تصر على مطلب “إلقاء السلاح أولاً ومن ثم إصدار القوانين”، وهو مطلب يرفضه قرة يلان بشدة ويعتبره “فرضاً للاستسلام”.
3. حجب “الصيغة القانونية” لحل قضية أوجلان: فالقائد المسجون في جزيرة إمرالي يعزل عن قادته السياسيين والميدانيين ويبقى في السجن.
من الواضح أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومته في حالة تأزم شديد. فالرجل الذي حكم تركيا لعقدين، ويطمح اليوم إلى صياغة دستور جديد للبلاد وتوسيع سلطاته ضمن نظام رئاسي أقوى يقوده إلى عام 2028 وما بعده، يواجه مأزقاً حقيقياً في الملف الكردي.
يدرك أردوغان أن إرثه السياسي الأكبر قد لا يكون في ساحات القتال، بل في تسوية نهائية تمنح الكرد حقوقاً دستورية وثقافية وسياسية. مع العلم أن السيد دولت بخجلي بعض الأحيان يرى أن الاتفاق مع الكرد من شأنه حماية تركيا من التقسيم، ولكنه أي السيد أردوغان من جانب آخر يعمل على لاستفادة من هذا الأمر ويستثمره في الانتخابات القادمة وفي صراعه مع خصمه اللدود حزب الشعب الجمهوري. وهنا يكمن السبب الحقيقي وراء المماطلة التركية. فبينما يطالب زعماء كرد بالقوانين اللازمة لانتقال سياسي ديمقراطي، وتعديل المواد العنصرية في الدستور التي صيغت بعد انقلاب 1980، وتمهيد الطريق لعودة أوجلان إلى الحياة السياسية، تبقى أنقرة أسيرة حساباتها الانتخابية الضيقة. فكل خطوة إيجابية تجاه الكرد في أي وقت قريب ستُقرأ على أنها هروب إلى الأمام ومحاولة لكسب أصوات المرشحين الكرد في الانتخابات المحلية والإقليمية القادمة، وليس سعياً حقيقياً نحو السلام.
لربما في ظل هذا المشهد الإقليمي الملتهب، تسعى تركيا بكل الإمكانيات لتحويل أو جعل الجبال – جبال قنديل تحديداً – إلى سجن جديد أكثر إحكاماً للقوات الكردية التي لا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتراجع.
السؤال الأهم الآن: ماذا سيحدث إذا استمرت تركيا على نهجها في المماطلة وعدم تقديم أي إجراءات قانونية وعملية تلوح في الأفق؟ هل سنشهد عودة العنف والاشتباكات المسلحة التي أودت بحياة عشرات الآلاف على مدى أربعة عقود؟
كل المؤشرات تدل على أن هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً، بل قد يكون المحتوم، وذلك لأسباب كثيرة منها، أن تفعيل الخيار العسكري، حيث قدم السيد قرة يلان نفسه إنذاراً واضحاً في ختام تصريحاته، قائلاً: “نحن مصرون على استراتيجية الأخوة، ولكن طالما أن خطر الهجوم قائم، فلن نوقف استعداداتنا العسكرية”. هذا يعني أن التعبئة العسكرية والعودة إلى العمليات النوعية ضد القوات التركية وأهدافها داخل المدن التركية أمر وارد بقوة. كذلك بالمقابل لا يمكن استبعاد أن تقوم القوات التركية، بالتوازي مع فترة الانتظار الطويلة هذه، بتحضير ضربة استباقية واسعة النطاق على تجمعات المقاتلين الكرد في جبال قنديل، ليس لإنهاء الحرب ولكن لخلق ظروف قوة أفضل للحكومة.
إذا أرادت تركيا فعلاً منع الانهيار الكامل وإعادة إحياء مسار السلام، فعليها الإسراع في اتخاذ خطوات جريئة وملموسة، والنجاح في تحقيق هذه المعادلة المتوازنة بثلاثة شروط مسبقة:
1. صياغة قانون انتقالي عاجل، ويجب أن تتوقف المماطلة في المجلس التشريعي، وأن تصوغ لجنة “التضامن الوطني” في البرلمان التركي مسودة قانون انتقالي يتم طرحها للتصويت في أسرع وقت ممكن، يتضمن جدولاً زمنياً واضحاً للتعديلات الدستورية والانتخابات المبكرة وحقوق استخدام اللغة الكردية في المجال العام والخاص.
2. تحركات رمزية وأمنية حقيقية: الإفراج المشروط عن القائد عبد الله أوجلان لنقل إشرافه المباشر والمعلن إلى الساحة السياسية من موقع حريته النسبية، كفيل بكسر حلقة الجمود النفسي الضخمة. إلى جانب إعادة الأموال والمناصب البلدية المنتخبة التي صادرتها الحكومة.
3. الربط بين الأمن والتحرر السياسي: لن تقدم أنقرة على حل سياسي شامل دون أن تتأكد بنسبة كبيرة من نزع سلاح الحزب فعلياً. الجانب الكردي يصر على العكس: ضمانات السلام والحريات أولاً، ثم نستجيب للمطالب الأمنية. في هذه الحالة هناك حاجة وسطى: لجنة دولية (أوروبا، الأمم المتحدة) تراقب عملية التسليم المشروط للسلاح والتدريجي مقابل تطبيق حزمة القوانين الانتقالية.
الموقف الحالي هو واحد من أخطر اختبارات العزم السياسي في الشرق الأوسط الحديث. مراد قرة يلان لم يطلق هذه التصريحات لتمر دون أن تترك أثراً. إنها صرخة تحذيرية من وادٍ يزداد عمقاً يوماً بعد يوم.
أنقرة تحسب حسابها في معادلة الربح والخسارة، هل ستربح الشارع القومي المتطرف على حساب الشارع الكردي؟ أم ستراهن على مستقبل تركيا كدولة ديمقراطية تعد تحت مظلتها كل مواطنيها؟ حسابات الرئيس أردوغان الانتخابية قد تنجح اليوم، لكن تكلفة حرق كل الجسور مع النخبة الكردية غداً ستدفع تركيا ثمنها على شكل عقود إضافية من الصراع والاشتباكات.
أما الكرد، فقد قدموا تنازلات لا مثيل لها. هم الآن ينتظرون الجواب التركي. إذا استمر الصمت وتراكمت خيبات الأمل، فلن يكون هناك مجال للعودة إلى الوراء. فالسلاح الذي وضع جانباً بانتظار وعد يمكن استعادته بسرعة إذا ثبت أن الوعد كان سراباً والسلام مجرد لعبة انتخابية أخرى.
الجميع ينتظر أن يعلن أي طرف “كفى” أولاً. والأسوأ أن المنطقة كلها ملتهبة بما يكفي لتتحول هذه الجبهة الهادئة مؤقتاً – والجبال المتربصة – إلى ساحة حرب جديدة تستعر من جديد.