الحدث – القاهرة
قبل أسابيع قليلة، شهدنا مشهداً غير مسبوق داخل أروقة الحلف. واشنطن، التي اعتادت أن تكون القائد الآمر، طلبت تفعيل المادة الخامسة لدعمها في حرب محتملة ضد إيران. وكانت الصدمة حين رفض الحلف جماعياً تلبية هذا الطلب. أوروبا، التي كانت ترى في الاتفاق النووي الإيراني منجزاً دبلوماسياً كبيراً، لم تكن مستعدة للتضحية بمصالحها الأمنية والاقتصادية من أجل مغامرة عسكرية أميركية جديدة في الشرق الأوسط.
هذا الرفض ليس مجرد خلاف عابر، بل هو تحول استراتيجي عميق. فمنذ تأسيس الناتو عام 1949، لم تشهد العلاقات عبر الأطلسي هذا المستوى من التصدع. أمريكا تريد حلفاً يتحرك وفق أجندتها العالمية، بينما تسعى أوروبا إلى حلف يخدم مصالحها الدفاعية المباشرة، خاصة في ظل التهديد الروسي المتزايد على حدودها الشرقية.
عندما صرح ماكرون في نوفمبر 2019 بأن الناتو يعاني “الموت السريري”، ضحك الكثيرون واعتبروا تصريحاته مبالغاً فيها. لكن الزمن أثبت أن الرئيس الفرنسي كان أكثر واقعية من منتقديه. ماكرون، الذي يدرك جيداً أن أوروبا أصبحت تتحمل عبئاً أمنياً لم يعد يتناسب مع موقعها الحقيقي داخل الحلف، كان يقرأ المستقبل بدقة.
الموت السريري يعني أن الأجهزة لا تزال تعمل، لكن الدماغ قد توقف. وهذا ينطبق تماماً على الناتو اليوم. الاجتماعات تعقد، القادة يتحدثون، المناورات تنفذ، لكن روح التضامن والهدف الاستراتيجي الموحد قد تلاشى. كل دولة أصبحت تنظر إلى مصالحها الخاصة، وأمريكا لم تعد الراعي الأمين كما كانت في حقبة الحرب الباردة.
المعلومات التي تشير إلى تحضير “ناتو عربي” بقيادة السعودية ومصر ليست مجرد اجتهادات صحفية. على مدى السنوات الثلاث الماضية، كانت الرياض والقاهرة تجريان مشاورات مكثفة مع دول الخليج والأردن لبناء تحالف عسكري عربي منظم. هذا التحالف، الذي قد يضم قوات تدخل سريع وأنظمة دفاع جوي مشتركة، يسعى إلى ملء الفراغ الذي ستتركه أي تراجع أمريكي – أو غربي عام – في المنطقة.
لكن الواقعية تقول إن هذا الحلم يواجه تحديات جمّة. الخلافات العربية الداخلية، غياب التنسيق السياسي، وعدم التكافؤ في القدرات العسكرية بين الدول الأعضاء، كلها عوامل قد تحول “الناتو العربي” إلى مجرد هيكل تنظيمي دون فاعلية ميدانية.
كذلك الحديث عن تشكيل ناتو لقوات متعددة الجنسيات في تركيا يحمل أبعاداً خطيرة. أنقرة، التي شعرت بخيبة أمل من موقف الحلف في العديد من القضايا، بدأت تتبنى نهجاً مستقلاً متزايداً. لكنها في الوقت نفسه تدرك أنها لا تستطيع الاستغناء عن الغطاء الأمني الذي يوفره الناتو.
ما يجري في تركيا هو محاولة لخلق آلية دفاع إقليمية تحت مظلة الناتو ولكن بقيادة تركية. هذا ما يشبه “الناتو داخل الناتو”، حيث تمتلك أنقرة قدرة أكبر على المناورة والتحرك وفق مصالحها الخاصة، خاصة في سوريا والعراق والبحر الأسود.
إذا أُعلن موت الناتو غداً، فإن أنقرة ستكون من بين أكثر العواصم تضرراً. لماذا؟ المادة الخامسة كانت ورقة الضمان الوحيدة بيد تركيا التي استفادت من هذه المادة بشكل واضح في السنوات الأخيرة. عندما أسقطت طائرة روسية عام 2015، وعندما كانت تقاتل الكرد بحجة حزب العمال الكردستاني، وعندما شعرت بالعزلة الإقليمية بعد توتر علاقاتها مع كل من روسيا وأمريكا وأوروبا، كان الناتو السند الخلفي. الدعم الذي حصلت عليه أنقرة في حربها ضد الكرد، سواء على حدودها الجنوبية أو في عملياتها داخل سوريا والعراق، لم يكن ليتحقق بدون المظلة الناتوية.
تركيا محاطة ببحر من المشاكل. داخليا، عدم حل القضية الكردية، وكذلك المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والبطالة والتضخم التي تعاني منها. وخارجياً، روسيا في الشمال الشرقي، إيران في الشرق، الصراع القبرصي والأزمة مع اليونان في الغرب، والفوضى السورية والعراقية في الجنوب. بدون الناتو، تجد أنقرة نفسها وحيدة تواجه قوى إقليمية كبرى تمتلك أسلحة نووية (روسيا)، أو مشاريع توسعية (إيران)، أو طواقم عسكرية مدربة ومنظمة (اليونان ضمن الاتحاد الأوروبي).
إذا انهار الناتو، فإن الدعم الذي تلقته تركيا تاريخياً لمواجهة الكرد سيتلاشى. أمريكا التي كانت حليفاً لتركيا في الناتو بل وفي نفس الوقت حليفاً لوحدات حماية الشعب الكردية سابقا، ستكون حرة تماماً في دعم الكرد دون اعتبارات تحالف أعلى. هذا يعني أن أنقرة ستواجه في يوم واحد خصماً قوياً داخلياً وخارجياً.
لن نرى إعلاناً رسمياً بموت الناتو قريباً، فالجثث الكبيرة تموت بصمت. لكن الحقيقة أن الحلف الذي دافع عن أوروبا وأمريكا لعقود قد فقد بريقه وتأثيره. السؤال الحقيقي ليس “متى سيموت الناتو؟”، بل “أي نظام أمني سيحل محله، ومَن سيدفع الثمن؟”.
تركيا ستكون من أكثر الدول تألماً في مرحلة ما بعد الناتو. أنقرة بحاجة إلى مراجعة جذرية لسياستها الداخلية والخارجية، خاصة الاستفادة من عملية السلام التي بدأت مع الكرد وإعلان السيد أوجلان التحول من العنف والكفاح المسلح نحو النضال السياسي والديمقراطي لحل القضية الكردية، وإلى بناء قدراتها الذاتية، والبحث عن أصدقاء جدد بسرعة قبل فوات الأوان. الأوراق التي تلعب بها أنقرة اليوم (العلاقة بروسيا، التوازن مع أمريكا، التعامل مع أوروبا) لن تكون متاحة بنفس السهولة عندما يلفظ الناتو أنفاسه الأخيرة.
السؤال الذي يطرح نفسه، هل تغيير شكل المنطقة يستوجب إصلاح أو تغيير معظم المؤسسات التي تشكلت في أعقاب الحرب العالمية الأولى وأخذت شكلها بعد الحرب العالمية الثانية. يعني هل تشكيل الشرق الأوسط الجديد يعني الاستغناء عن شكل الدولة القومية التي هي من إفرازات الحربين الكونيتين مع كل مؤسساتها التي كانت تحمي مصالح القوى المنتصرة آنذاك (الأمم المتحدة ومجلس الأمن والناتو والجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي وكذلك أوبك وأوبك بلس ووووالخ). هل سنشهد تغيير هذه المؤسسات أو إصلاحها بما يتوافق الشكل الجديد للمنطقة أم أنه سيعلن عن موتها تباعاً، وبدأتها الإمارات بانسحابها من أوبك وأوبك بلس.
العالم يتغير، ولا مجال للعاطفة في السياسة. الناتو قدم خدمات جليلة، لكن الزمن لا يرحم. ربما آن الأوان للبحث عن ولادات جديدة، بدلاً من البكاء على موت قد يكون حتمياً.