الثلاثاء 5 مايو 2026
القاهرة °C

ليلي موسي تكتب : YPJ, من هامش التاريخ إلى صناعة المعادلة

الحدث – القاهرة

في جغرافيا أنهكتها الحروب، واعتادت أن تُنتج صورًا نمطية للمرأة بوصفها ضحية أو رقماً في قوائم النزوح، خرجت تجربة وحدات حماية المرأة بقيادة وريادة المرأة الكردية لتكسر هذا النمط، وتعيد تعريف حقيقة وجوهر دور المرأة في زمن الأزمات.
لم تكن هذه التجربة مجرد استثناء عابر، بل تحوّلت إلى نموذج لافت أعاد طرح أسئلة عميقة حول موقع المرأة في المجتمع، وقدرتها على التأثير، بل وقيادة التحولات.
منذ اللحظة الأولى، قدّمت هذه الوحدات صورةً مغايرة؛ امرأةً تحمل السلاح لا بوصفه أداةَ عنف، بل كوسيلةٍ للدفاع عن الذات والمجتمع، بما أسهم في إعادة توجيه مفهوم الحماية والدفاع نحو مساره الصحيح.”
في سياق معارك معقّدة ضد تنظيمات متطرفة، وفي مقدمتها تنظيم داعش، لم تقتصر أدوار المرأة الكردية على المواقع الخلفية، بل اضطلعت بأدوار قيادية في خطوط المواجهة الأولى، حيث أدارت العمليات ووجّهت الفعل الميداني.
وهذا الحضور لم يكن رمزياً، بل حاسماً في كثير من المراحل، حيث ساهمت هذه القوات بشكل مباشر في إضعاف التنظيم وهزيمته في عدة مناطق، وهنا، تغيّرت الصورة النمطية، إذ لم تعد المرأة مجرد متلقية لنتائج الحرب، بل صانعة لمسارها.
لكن أهمية هذه التجربة -المرأة في شمال وشرق سوريا- لا تتوقف عند بعدها العسكري فقط، بل على العكس، فإن أحد أبرز عناصر قوتها هو تعدد أدوارها، فقد خرجت هذه الوحدات من إطار “القوة القتالية” إلى فضاء أوسع، يشمل العمل السياسي، والمشاركة في مؤسسات الإدارة المحلية، والمساهمة في بناء نسيج اجتماعي أكثر توازناً.
المرأة التي حملت السلاح، شاركت أيضاً في صناعة القرار، وفي إدارة المجتمع، وفي إطلاق مبادرات ثقافية وتعليمية واقتصادية، وهذا التداخل بين الأدوار منح التجربة عمقاً استثنائياً، وجعلها أكثر رسوخاً من أن تُختزل في بعدها الأمني – العسكري فقط.
لعل أبرز الآثار تمثّل في إعادة تشكيل الوعي الجمعي؛ إذ إنّ تقبّل هذا التحوّل لم يكن يسيرًا في بيئةٍ اجتماعيةٍ مثقلةٍ بموروثٍ ثقافيٍّ متقادم. غير أنّ تراكم الإنجازات مع مرور الوقت أسهم في تبدّل النظرة، بحيث لم يعد حضور المرأة في مواقع القيادة أمرًا صادمًا أو مستهجَنًا، بل غدا جزءًا من الواقع الاجتماعي.
والأهم في هذا السياق، أن هذا التغيير لم يقتصر على المجتمع الكردي، بل امتد إلى الأوساط العربية وسائر المكونات، التي وجدت في هذه التجربة مثالاً ملموساً وتجربة حيًة على قدرة المرأة على الإسهام الفاعل في مختلف مجالات الحياة.
هذه التجربة تطرح اليوم سؤالاً عملياً، هل يمكن تعميمها أو الاستفادة منها على نطاق أوسع؟ في الحالة السورية، يبدو الجواب أقرب إلى “نعم”، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الشاملة.
إن دمج هذه القوات ضمن بنية وطنية، كجزء من تشكيلات الجيش السوري، لا يعني فقط الاستفادة من خبراتها القتالية، بل أيضاً نقل نموذجها الاجتماعي إلى مؤسسة يفترض أنها تمثل جميع السوريين، ومثل هذه الخطوة قد تساهم في إعادة بناء الثقة، وتعزيز فكرة المواطنة، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
إقليمياً، تحمل هذه التجربة رسائل أبعد من حدودها الجغرافية، فهي تقول ببساطة إن تمكين المرأة ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة عملية، خاصة في مجتمعات تواجه تحديات معقّدة.
كما تؤكد هذه التجربة أن إشراك المرأة في الشأن العام، بما في ذلك القضايا الأمنية والعسكرية، عنصر استقرار، لا عامل توتر كما يروّج البعض.
إن دعم هذه التجربة لا ينبغي أن يُفهم في إطار سياسي ضيق، بل كاستثمار في نموذج إنساني واجتماعي واعد، فالقوى الحية في المنطقة، من مؤسسات مدنية وثقافية وإعلامية، معنية بتسليط الضوء على مثل هذه النماذج، وتوسيع النقاش حولها، والعمل على نقل خبراتها إلى بيئات أخرى، كذلك فإن المجتمع الدولي، الذي طالما تحدث عن تمكين المرأة، يجد هنا نموذجاً واقعياً يستحق الدعم والتطوير.
في الختام، لا يمكن النظر إلى وحدات حماية المرأة بوصفها مجرّد تشكيلٍ عسكريٍّ نشأ في سياقٍ استثنائي، بل بوصفها تجربةً أعادت تعريف حدود الممكن اجتماعيًا؛ إذ تؤكّد قدرةَ المرأة على خلق الظروف، وعدم اكتفائها بالمشاركة، بل إحداثها أثرًا نوعيًّا وإسهامها في صياغة المستقبل المنشود. وعليه، فإنّ هذه الوحدات جديرةٌ بنيل الاحترام والتقدير لحقّها في تقرير مصيرها وبناء مستقبلها.

to top