الثلاثاء 5 مايو 2026
القاهرة °C

أحمد شيخو يكتب: جيوسياسية الانكسار والتحول فى أعقاب حرب الخليج الرابعة

الحدث – القاهرة

مع حلول ربيع 2026، وفي أعقاب «حرب الأربعين يوماً»، لم تعد منطقة الشرق الأوسط مجرد رقعة جغرافية تشهد نزاعاً عابراً، بل دخلت منعطفاً تاريخياً هو الأكثر تعقيداً منذ نهاية الحرب الباردة. إن «حرب الخليج الرابعة» ليست مجرد صدام بين ترسانات عسكرية ومواجهات استخباراتية وسيبرانية، بل مثّلت «نقطة انعطاف مصيرية وانكساراً بنيوياً» أعادت صياغة فلسفة الأمن الإقليمى. ومع انخفاض حدة العمليات الحركية (Kinetic Operations) وتراجُع وتيرة الاشتباك المباشر مرحلياً بين المحور الأمريكى – الإسرائيلى وإيران، يبرز السؤال المركزى في دوائر التحليل الاستراتيجى: هل نحن أمام ولادة نظام أمنى مستدام، أم أننا بصدد الانتقال إلى مرحلة «الفوضى المهيكلة»؟ خاصة مع استمرار الفجوة التفاوضية -في ظل تباين الأولويات- بين الأيديولوجيا والواقعية السياسية، ومشاريع التوسع والهيمنة الإقليمية والدولية.

تآكل الردع التقليدى

وتقويض «الصبر الاستراتيجى»

لقد أحدثت المواجهة الأخيرة تحولاً جذرياً في «برادايم» (Paradigm) الصراع؛ حيث تآكلت استراتيجية «الصبر الاستراتيجى» التي اعتمدتها القوى الإقليمية لسنوات كأداة لتجنب الصدام المباشر وتقليل تداعيات الحروب الشاملة. وتشير القراءة الأكاديمية لنتائج الحرب إلى انحسار نموذج «حروب الوكالة» (Proxy Wars) لصالح نمط جديد من «المواجهة المباشرة بين الرؤوس»، إذ بات الفاعلون من غير الدول (الوكلاء) يؤدون أدواراً تكميلية، بدلاً من كونهم السواتر الوحيدة والأساسية للصراع.

هذا التحول أضعف -إلى حد بعيد- نظريات الردع التقليدية القائمة على الجغرافيا؛ فدخول الصواريخ «فرط الصوتية» والباليستية وتقنيات الذكاء الاصطناعى الهجومى في المعادلة، ألغى المفهوم الكلاسيكى لـ«المناطق العازلة». لقد أصبح «العمق الاستراتيجى» لكافة الأطراف ساحة مكشوفة، ما يعنى أن التفوق العسكرى لم يعد يقاس بالقدرة التقليدية على حشد القوات البرية، بل بالقدرة على شلّ قدرات الخصم في الفضاءين السيبرانى والمعلوماتى قبل إطلاق الرصاصة الأولى، مدعوماً بجهد استخباراتى مكثف وعمليات معلوماتية دقيقة أصبحت هى المحرك الفعلى لنتائج المواجهة.

هندسة التوازنات: نحو تحالفات

تكنولوجية – سيادية

يتجه الإقليم نحو إعادة تعريف جذرى لمفهوم «القوة» (Power Politics)؛ إذ لم يعد التفوق حكراً على من يمتلك الضخامة العددية في الجيوش التقليدية -رغم استمرار أهميتها الحيوية- بل بات يميل لصالح مَن يسيطر على «ناصية التكنولوجيا الدفاعية». ومن المرجَّح أن نشهد في المستقبل القريب بوادر تشكُّل «محاور أمنية رقمية» ترتكز بصفة أساسية على الذكاء الاصطناعى السيادى. إن هذا النمط من التحالفات سيخلق فجوة أمنية كبرى بين الدول «المنتجة للتكنولوجيا» وتلك «المستهلكة» لها، مما قد يضع الأخيرة في حالة «انكشاف أمنى دائم» يعيد إنتاج علاقات التبعية بنماذج تقنية حديثة وأكثر تعقيداً.

الأمن الوطنى: من «المظلات الدولية»

إلى «الاستقرار البنيوى والاعتمادية الذاتية»

وضعت هذه الحرب – بما رافقها من استهدافات غير مقبولة ومرفوضة جملة وتفصيلاً طالت سيادة دول المنطقة، وخاصة العربية، وبنيتها التحتية الحيوية – العواصم الإقليمية أمام استحقاق تاريخي يفرض مراجعة جدوى الرهان الكلى على المظلات الأمنية الدولية. فهذه الحرب، ومن قبلها دروس التاريخ، تثبت أن الأولويات الاستراتيجية للقوى الكبرى تتسم بالسيولة؛ إذ إن ما يُصنَّف «حليفاً استراتيجياً» بالأمس قد يتحول إلى «عبء سياسى» اليوم تبعاً لمصالح تلك القوى. لذا، يبرز مفهوم «القرار السيادى المستقل» ليس كشعار دبلوماسى، بل كضرورة وجودية لضمان البقاء وحماية المقدَّرات الوطنية من الانتهاكات.

إن الانتقال من «صيغة التبعية» إلى «الشراكة الندية» يقتضى بناء منظومات دفاعية بقرار وطنى ذاتى، وهو مسار لا يمكن تحقيقه دون تطوير الخبرات الأمنية الوطنية وتمتين «الجبهة الداخلية». وهنا يبرز البعد السوسيولوجى للأمن، فالدولة القوية لا تُقاس فحسب بامتلاكها ترسانة عسكرية ضخمة، بل بقدرتها على إدماج كافة مكوناتها المجتمعية في مشروع «البناء الوطنى». إن حل القضايا العالقة ومنح الشعوب دوراً حقيقياً في الإدارة والمشاركة السياسية يمثل «الرافد الأمنى» الأقوى في مواجهة التدخلات الخارجية، والضمانة الأساسية لسد الثغرات ومنع الاختراقات الاستخباراتية التي يحاول الخصوم استغلالها عبر الشروخ الداخلية.

المجتمعية وبناء السلام من الداخل

في ظل تآكل هياكل «الدولة القومية» التقليدية في المنطقة، التي أثبتت التجربة عجزها عن حماية مجتمعاتها أمام الأعاصير الجيوسياسية، تبرز الحاجة الملحة إلى نماذج سياسية وطنية ديمقراطية أكثر مرونة وتشاركية. إن الانتقال من عقلية «إدارة الأزمات» من الأعلى إلى الأسفل، نحو عقلية «صناعة الاستقرار» من القاعدة إلى القمة، يتطلب تبنِّى سياسات تعزز دور المجتمعات المحلية في حماية أمنها واستقرارها، بعيداً عن تجاذبات صراعات المحاور الكبرى.

إن السلام المستدام في المشهد الإقليمى لا يمكن استيراده عبر اتفاقيات دولية هشَّة أو صفقات فوقية، بل يُشيَّد عبر «عقد اجتماعى – أمنى» جديد يحترم التنوع، ويؤمِّن المصالح الحيوية لكافة المكونات الوطنية -الإثنية والدينية- بالتوازى مع تأمين الحلول السياسية الديمقراطية والسلمية للقضايا الوطنية العادلة والكبرى في المنطقة، وفي مقدمتها القضيتان الفلسطينية والكردية، وغيرها من الملفات العالقة. إن هذا النهج هو الكفيل بتحويل التعددية من ثغرة أمنية يستغلها الخصوم إلى ركيزة صلبة للاستقرار الوطنى والإقليمى الشامل.

سيناريوهات «اليوم التالى»:

قراءة في الاحتمالات الجيوسياسية

تتأرجح المنطقة أمام ثلاثة مسارات استراتيجية كبرى، يحدد كل منها وجهة المشهد الإقليمى لسنوات قادمة:

سيناريو «الوفاق الإجبارى» (The Forced Consensus): ينطلق هذا المسار من مبدأ «توازن الرعب» والإنهاك المتبادل؛ حيث تدرك الأطراف كافة أن الانزلاق نحو مواجهة شاملة ومفتوحة يعنى انتحاراً اقتصادياً وبيئياً وسياسياً جماعياً. هذا الإدراك قد يشكل قوة دفع استثنائية نحو صياغة «عقد أمنى إقليمى شامل» يضمن سيادة الدول، ويؤمِّن ممرات الطاقة والملاحة الدولية، ويضع حداً للمشاريع التوسعية.

سيناريو «الفوضى الرمادية» (Grey Zone Chaos): استمرار حالة «الاستنزاف المتبادل» ضمن منطقة الرماد؛ حيث لا حرب شاملة تحسم الصراع، ولا سلم حقيقى يهيئ المناخ للتنمية المستدامة. في هذا المسار، تظل المنطقة رهينة لصراعات منخفضة الكثافة واستنزاف مقصود للموارد، تُدار عبر الفضاء السيبرانى، والحروب الاقتصادية، وبؤر التوتر المحلية التي تُحرَّك عن بُعد.

سيناريو «الانهيار الكبير وإعادة الترسيم»: وهو المسار الأكثر قتامة؛ حيث يؤدى انسداد الأفق الدبلوماسى وفشل المفاوضات إلى صدام واسع النطاق يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية. هذا السيناريو كفيل بتغيير خرائط المنطقة جذرياً، وقد يؤدى إلى تفكك كيانات سياسية قائمة وولادة أخرى جديدة، بما يتوافق مع «مقتضيات النظام العالمى الجديد» الذي يتشكل حالياً على أنقاض التوازنات القديمة.

خاتمة: الجراحة القيصرية والمولود الجديد

إن حرب الخليج الرابعة، رغم مآسيها وتداعياتها العميقة، ليست مجرد «جرس إنذار»، بل مثَّلت «جراحة قيصرية» مؤلمة لنظام إقليمى كان يعانى من حالة استعصاء بنيوى وتراجُع في وزنه الاستراتيجى للقوى الدولية، في وقت كان يشهد فيه محاولات محمومة لتنفيذ مشاريع توسعية عابرة للحدود.

إن ملامح المشهد الإقليمى القادم ستتحدد بناءً على قدرة النخب السياسية والمجتمعات على إدراك حقيقة أن «الأمن لا يستورد»، وأن الاستقرار المستدام يقتضى شجاعة في تقديم التنازلات الداخلية لتمتين العقد الاجتماعى الوطنى؛ باعتباره حائط الصد الذاتى الأول ضد التحديات والتدخلات الخارجية.

كما يفرض الواقع الجديد ضرورة الانتقال نحو احترافية عالية في معرفة وإدارة العلاقات الخارجية، ترتكز على توازن المصالح بدلاً من صيغ التبعية والارتهان، مع تعزيز العمل الإقليمى المشترك كضرورة جيوسياسية ملحة، وتفعيل العمل العربى المشترك كركيزة أساسية لصد محاولات الهيمنة، وتحويل المنطقة من مجرد ساحة لتصفية حسابات القوى إلى فاعل استراتيجى في النظام العالمى. إن الإيمان بأن القوة الحقيقية تنبع من التلاحم بين الدولة والمجتمع، ومن القدرة على بناء كتلة إقليمية متماسكة أمنية بقرار سيادى مستقل، هو السبيل الوحيد للتحرر من ارتهانات القوى الكبرى التي لا تعترف إلا بلغة المصالح المتغيرة، والضمانة الوحيدة لولادة نظام إقليمى يحقق السيادة والكرامة لشعوب ودول المنطقة قبل فوات الأوان.

to top