الجمعة 8 مايو 2026
القاهرة °C

أخلاقيات الهولوغرام بين الإبهار التكنولوجي وحدود الكرامة الإنسانية

الحدث – القاهرة

د. آمال بورقية – رئيس اكاديمية حليم

يشهد العالم اليوم تطورًا متسارعًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، ومن أبرز مظاهر هذا التحول ظهور الهولوغرامات الفنية التي تسمح بإعادة تقديم الفنانين الراحلين على خشبات المسارح. ويُقصد بالهولوغرام تقنية رقمية تُعيد تشكيل صورة الإنسان أو الفنان بصورة ثلاثية الأبعاد تمنح إحساسًا بالحضور داخل الفضاء، اعتمادًا على أرشيفات صوتية وبصرية ومعالجات رقمية. وقد تحوّل مفهوم الهولوغرام في العصر الحديث من مجرد تقنية بصرية إلى ظاهرة إعلامية ، مرتبطة بفكرة استحضار الغائب وإعادة خلق الحضور الإنساني. غير أن هذا الحضور يبقى حضورًا اصطناعيًا قائمًا على الوهم البصري وإعادة تركيب الصورة والصوت والحركة.

 

وقد استُخدمت هذه التقنية لإعادة تقديم بعض الفنانين الراحلين غير أن هذه التجارب، رغم الضجة الإعلامية التي رافقتها، لم تحقق نجاحًا عالميًا حقيقيًا أو إجماعًا جماهيريًا واسعًا، لأن كثيرًا من الجمهور شعر بأن الصورة المعروضة لا تُشبه الفنان الحقيقي ولا تنقل حضوره الإنساني الطبيعي أو روحه الفنية الحقيقية. فالهولوغرام، مهما بلغت دقته التقنية، يبقى صورة مصطنعة تفتقد العفوية والتفاعل الحي، وقد يظهر الفنان أحيانًا بشكل آلي أو مبالغ فيه، أقرب إلى “نسخة كاريكاتورية” أو دمية رقمية، مما قد يسيء إلى صورته الفنية والرمزية بدل تكريمها. كما أن إعادة تقديم فنان راحل بهذه الطريقة قد تترك أثرًا نفسيًا سلبيًا لدى الجمهور، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بفنان عاش المرض أو رحل في ظروف إنسانية مؤثرة، إذ بدل أن تبقى صورته مرتبطة بتاريخه الفني الجميل، قد تتحول في الذاكرة الجماعية إلى مشهد رقمي بارد ومشوّه لا يعكس حقيقته الإنسانية.

 

ومن هنا ظهرت انتقادات واسعة لهذه الممارسات، لأنها قد تُحوّل الفنان بعد وفاته إلى وسيلة تجارية تُستغل باسم الحنين والذكريات، دون احترام كامل لكرامته أو لحقه في صورته وهويته الفنية. فشركات الإنتاج وصناعة الترفيه تستخدم هذه التقنيات لإعادة “إحياء” الفنانين الراحلين من أجل إنتاج عروض تجارية قائمة على النوستالجيا والارتباط العاطفي للجمهور بنجومه المفضلين. وهنا يتحول الفنان بعد وفاته تدريجيًا إلى صورة قابلة للاستغلال المستمر، أو إلى “علامة تجارية رقمية” منفصلة عن بعدها الإنساني والفني الحقيقي، بحيث تصبح الذاكرة الإنسانية مادة اقتصادية قابلة للتسويق، وقد يتحول التكريم إلى شكل من أشكال الاستغلال الرمزي للميت.

وتثير هذه الممارسات أسئلة أخلاقية عميقة حول حدود استخدام التكنولوجيا في التعامل مع الإنسان وذاكرته. فهل يحق للتكنولوجيا إعادة إنتاج شخصية إنسان بعد وفاته؟ وهل يمكن اعتبار ذلك تكريمًا للذكرى أم شكلًا من أشكال الاستغلال الرقمي؟ كما يطرح الأمر مخاطر تتعلق بانتهاك الكرامة الإنسانية، وتشويه صورة المتوفى، واستعمال بياناته وصوته لأغراض تجارية أو إعلامية دون موافقة حقيقية

وأصبح مصطلح “الهولوغرام” يُستخدم كثيرًا لإثارة الانبهار والدهشة وجذب الجمهور، حتى في الحالات التي لا تعتمد تقنيًا على الهولوغرافيا الدقيقة، بل على إسقاطات ضوئية وخدع بصرية ومؤثرات سينمائية

ومن هنا تأتي خطورة استعمال الهولوغرام في إعادة إحياء الفنانين أو الشخصيات بعد الوفاة، لأن الأمر لا يتعلق فقط بصورة رقمية، بل باستغلال هذا التأثير النفسي العميق لدى الجمهور. فالتكنولوجيا توظف الحنين والعاطفة الجماعية لإنتاج حضور اصطناعي هو في الواقع بناء تجاري وإعلامي قائم على الوهم البصري. ومع هذه التقنيات، يصبح الخطر أكبر في طمس الحدود بين الإنسان الحقيقي وصورته المصطنعة، وبين تكريم الذاكرة وتحويلها إلى منتج استهلاكي قابل للتسويق والاستغلال.

 

أن الإطار القانوني يظل محدودًا أمام التعقيد الأخلاقي الذي تطرحه هذه الظاهرة، لأن القانون قد يسمح باستخدام الصورة، لكنه لا يضمن احترام الإرادة الحقيقية للفنان أو قناعاته الشخصية، خصوصًا إذا لم يترك تعليمات واضحة قبل وفاته. كما أن مفهوم “احترام ذاكرة المتوفى” يبقى مفهومًا نسبيًا يصعب تحديد حدوده القانونية بدقة.

وأمام هذه التحديات، تبرز الحاجة الملحة إلى وضع إطار أخلاقي وقانوني واضح ينظم استعمال الهولوغرامات الفنية بعد الوفاة،..

وتُعد مسألة الموافقة أو الرضا من أهم الإشكالات الأخلاقية المرتبطة بالهولوغرامات الفنية، لأن احترام إرادة الإنسان وحريته في اتخاذ القرار بشأن صورته وهويته واستعمال بياناته الشخصية يمثل أحد المبادئ الأساسية في الأخلاق الإنسانية. غير أن الفنان الراحل لا يستطيع إعطاء موافقته على هذه التكنولوجيا التي ربما لم تكن موجودة أصلًا في عصره، وبالتالي فإن إعادة “إحيائه” رقميًا تتم دون قدرة حقيقية على معرفة موقفه أو رغبته.

لا أحد يمكن أن يقبل أن يُختزل بعد رحيله إلى دمية تُحرَّك بأضواء الليزر لإيهام الجمهور بوجوده. فالأخلاق تُذكّرنا بمبدأ أساسي وعالمي: أن نعامل الآخرين كما نحب أن نُعامل نحن .فكل فنان أو إنسان غائب يترك خلفه ذاكرة، وكرامة، وتاريخًا، ومشاعر لا يمكن تحويلها إلى عرضٍ استعراضي بلا تفكير أخلاقي. قد تُبهرنا التكنولوجيا، لكنها لا يجب أن تمحو احترام الإنسان وحقه في صورة تحفظ إنسانيته.

إن تمثيل شخص دون رضاه، أو بطريقة تشوّه هويته أو تختزل قيمته، يطرح سؤالًا أخلاقيًا عميقًا. فالتقدم الحقيقي لا يكون في القدرة على الإبهار فقط، بل في مدى احترامه للكرامة الإنسانية ولذاكرة الإنسان كما هي، لا كما نرغب أن نعيد تشكيلها.

فهل كان سيقبل أن يظهر بهذه الصورة؟ وهل كان سيرضى باستعمال صوته وجسده الرقمي في عروض تجارية أو إعلامية؟ تبقى هذه الأسئلة دون جواب، مما يجعل “التمثيل الرقمي” أقرب أحيانًا إلى إعادة اختراع الفنان بدل احترام شخصيته الحقيقية.

to top