الخميس 4 يونيو 2026
القاهرة °C

أحمد شيخو يكتب : سوريا بين منطق “الغنيمة” واستحقاقات “الدولة”

الحدث – القاهرة

ما زالت سوريا تعيش مرحلة انتقالية معقدة، تتضاعف فيها معاناة السوريين وتتراكم وسط شعور متنامٍ بأن إرادتهم الحرة وأهدافهم لم تجد طريقها للتجسيد بعد. والواقع أن المشهد السوري بعد محطة 8 ديسمبر قد دخل طوراً جديداً، ولكن جوهر الأزمة البنيوية القائمة على المركزية المطلقة، وسلوكيات الإقصاء والأحادية والقمع، إلى جانب الارتهان للمشاريع الإقليمية والدولية، لا تزال تشكل العقبة الأساسية أمام الاستقرار وبناء سوريا كدولة موحدة وجمهورية ديمقراطية لكل السوريين.

إن استحقاقات المرحلة الانتقالية من بناء مؤسسات الدولة السيادية، وتشكيل هويتها الوطنية، وإعادة بناء اقتصادها، وتوفير السكن والماء والكهرباء والتعليم والصحة للمواطنين وإخلاء المخيمات وإعادة الإعمار، إلى جانب مواجهة التحديات الأخرى المتمثلة في الاحتلالين الإسرائيلي والتركي؛ كلّها قضايا تفرض نفسها بإلحاح، في ظل غياب تفاعل وطني سيادي حقيقي وقادر على معالجتها من قِبل الحكومة الانتقالية. ولا يخفى على أحد أن زهاء أربعة عشر عاماً من الحرب في سوريا قد خلّفت شروخاً وأزمات عميقة؛ ومثل هذه التداعيات تفرض حتماً المرور بمرحلة انتقالية لتجاوزها، شريطة أن ترتكز هذه المرحلة على وضع مسار استراتيجي صحيح، يقوم على المشاركة الفاعلة لكافة مكونات الشعب السوري للبناء والعمل، وبدعم إقليمي ودولي متوازن ومساعد، لا على تدخل مباشر لهيكلة المؤسسات والقرار السوري كما تفعله تركيا وغيرها لجعل سوريا حديقة خلفية لهم.

تتمتع سوريا بتركيبة سكانية متنوعة إثنياً ودينياً ومذهبياً، وهي تعدُّ تاريخياً مصدر غنى ثقافي، إلا أن عقلية الهيمنة السياسية حوّلت هذا التنوع إلى بؤر توتر مجتمعي. إن النواة الصلبة للسلطة الجديدة تحمل إرثاً أيديولوجياً متشدداً يصعب تفكيكه أو مواءمته مع متطلبات إدارة الدولة الحديثة، وهنا تبرز المعضلة المفصلية: التناقض البنيوي بين “عقلية الفصيل الأيديولوجي” المستندة إلى الإقصاء، و”عقلية الدولة الوطنية” القائمة على المواطنة وإدارة التنوع والاندماج الديمقراطي.

على الصعيد الاقتصادي، خلّفت سنوات الحرب شروخاً عميقة في البنية التحتية والنسق الاجتماعي ومصادر الطاقة. وبدلاً من تبني سياسات اقتصادية إسعافية تعيد ضبط الأسعار وتحمي القوة الشرائية للمواطن، تشكلت سريعاً “شبكات مصالح واقتصاد ظل” تابعة لرموز هيئة تحرير الشام والقوى المسيطرة، كالصندوق السيادي والبنك الموازي للمصرف المركزي. لقد أدى هذا النمط الاقتصادي الريعي إلى إعادة إنتاج منظومات الفساد، وتحويل مقدرات البلاد الحيوية إلى “غنائم فصائلية” تُوزع على المقربين، مما أعمق الأزمة المعيشية والطبقية في المجتمع.

تتمثل المعضلة الأكبر في إعادة هيكلة الجيش والقوى الأمنية؛ ففي الوقت الذي يتم فيه إقصاء الكفاءات الوطنية السورية والخبرات العسكرية المستقلة خوفاً من صعود قيادات بديلة، يتم الاعتماد على تشكيلات ذات عقائد متطرفة وعناصر أجنبية، فضلاً عن الخضوع لبرامج التدريب والتوجيه الإقليمي (التركي تحديداً). يترافق ذلك مع استمرار العقلية الأمنية الفصائلية في ضبط المجتمع، وغياب مسارات العدالة الانتقالية والمحاسبة لمرتكبي الانتهاكات، مما يؤدي في النتيجة إلى تفكيك عُرى المجتمع السوري لتسهيل السيطرة عليه وإخضاعه، بل ويتم إبرام الاتفاقات المالية مع بعض رموز القتل والفساد من أيام النظام السابق.

أما أطياف ومكونات الشعب السوري المتنوعة، فما زالت السلطة تحاول إخضاعها وضبطها وفق عقلية فصائلية ضيقة ومقاربة أمنية بعيدة عن التلاقي والحوار والتفاهم، في الوقت الذي ما زال فيه مرتكبو الجرائم بحق الشعب السوري من قوى السلطة بعيدين عن المحاسبة والمساءلة. وبالتالي، تؤدي هذه السياسات إلى تفكيك بنية المجتمع والدولة السورية؛ لتسهيل عملية السيطرة والإخضاع. وتحاول سلطة دمشق الالتفاف على اتفاق 29 يناير وجعل الاندماج انصهاراً إن استطاعت، وهذا مؤشر على عدم جدية الحكومة المؤقتة في الالتزام بتعهداتها تجاه الكرد، ومحاولة إعطاء انطباع بأن الحكومة السورية المؤقتة أعطت حقوق الكرد بمرسوم 13، ولكن الحقيقة ليست كذلك؛ فالكرد يرون المرسوم غيرَ كافٍ ويطالبون بأن تكون لغتهم رسمية ولغة التعليم من الحضانة إلى الجامعة، وأن تُضمن حقوق الكرد في الدستور، وأن يتم إدارة المناطق الكردية وحمايتها من قِبل الكرد أنفسهم وفق جوهر اتفاق 29 يناير، ولكن الحكومة تماطل وتحاول تطبيق سياسة (فرّق تَسُد) على الكرد، وتحجيم دور الكرد في الدولة السورية ومؤسساتها وفق التوجيهات التركية.

يروّج بعض منظري الإسلام السياسي، والمتأثرين بطروحاتهم، وبعض الانتهازيين، لفكرة أن “التحول والبراغماتية” هما السمّة السائدة في سلوك سلطة الأمر الواقع الجديدة ورجالاتها المنحدرين من رحم “جبهة النصرة”  وتنظيم “القاعدة”. إلا أن المؤشرات الواقعية والقرارات الفعلية تثبت خلاف ذلك؛ إذ لا يمكن تقييم هذه القوى إلا عبر ممارساتها على الأرض، والتي تتجه نحو تعزيز التشدد وتمكينه في المجتمع السوري. ولعل نظرة فاحصة على “الإعلان الدستوري”، وآلية تشكيل الحكومة و”مجلس الشعب”، فضلاً عن مقاربتهم لاتفاق 29 يناير، تُظهر بوضوح بعدهم عن عقلية وفن إدارة الدولة والمجتمعات التعددية، بل إنهم يسهمون في تفكيك مؤسسات الدولة السورية السيادية عبر فرض هياكل مستحدثة، وتفرد الوزارات بالقرارات، وإخضاع مفاصل الحياة والتفاعلات الاستراتيجية لسطوة وتوجيه “الشيوخ”.

وتبرز المؤشرات الأكثر خطورة في المقاربة الاجتماعية للسلطة، وتحديداً في طريقة التعامل مع المرأة السورية، ومحاولة شرعنة ممارسات تتنافى مع حقوق الإنسان تحت غطاء فتاوى متطرفة يرفضها المجتمع السوري، والمتمثلة في فتح بيوت للسبايا، مما يشكّل امتداداً سلوكياً للفكر الداعشي الذي يرى في الوطن السوري وأهله ونسائه مجرد سبايا وغنائم. ورغم اتفاق 29 يناير بين قسد والحكومة السورية المؤقتة، ما زالت الحكومة السورية المؤقتة ترفض الاعتراف بوحدات حماية المرأة ضمن وزارة الدفاع السورية، في حين أن الوزارة نفسها ليس لديها مشكلة مع كل جنسيات الأجانب التكفيريين فيها.

لقد كانت في سوريا قوى وطنية وعسكرية متعددة قادرة على الوصول إلى دمشق وحسم المشهد، لو أنها حظيت بحجم الدعم ذاته الذي قُدّم لـ “هيئة تحرير الشام”. غير أن القراءة العميقة للمشهد تكشف عن طبيعة العلاقات التاريخية والارتباطات بين هذه التنظيمات والقوى الدولية الكبرى. كما أن تجارب التاريخ المعاصر تثبت عدم قدرة حركات الإسلام السياسي، باختلاف تلويناتها، على إدارة دول ومجتمعات تعددية مركبة كالمجتمع السوري. وإن فرض هذه المشاريع، حتى لو حظي بـ “تخادم وظيفي” مؤقت مع بعض الدول الكبرى كبريطانيا وأمريكا أو غيرها، يظل محكوماً بالفشل لعقليته الاستفرادية وطبيعتها الإشكالية؛ إذ إن البيئة المجتمعية السورية ستلفظ هذه الأنماط الغريبة عنها في أول فرصة واستحقاق حقيقي، كما أن القوى الدولية لن تتوانى عن التخلي عن هذه الأدوات بمجرد تغير أولوياتها الاستراتيجية.

إن العبور بسوريا من مرحلة “الغنيمة الفصائلية” أو “التخادم الوظيفي الدولي” إلى بر الأمان يتطلب مساراً انتقالياً حقيقياً يرتكز على السيادة الوطنية، ووحدة سوريا، ومشاركة كافة مكونات الشعب السوري دون إقصاء، فضلاً عن بناء مؤسسات سيادية عابرة للولاءات الضيقة، ورفض الاحتلالات الإقليمية والتدخلات الخارجية، ومعالجة ملف المقاتلين الأجانب. وبدون هذا المسار الوطني والتحول الجذري، وبدون وجود دستور وطني توافقي، ستبقى السلطة مجرد سلطة أمر واقع تدير الأزمة وتراعي أجندات الخارج دون أن تصنع الاستقرار والأمان، وستبقى سوريا ساحة للتجاذبات والانقسامات ومفرخة وحاضنة للتكفير والإرهاب.

to top