الحدث – القاهرة
بقلم – محمد امام:
لا تقاس نجاحات الأمم في البطولات الكبرى بعدد الانتصارات فقط، وإنما بما تتركه من انطباع لدى العالم، وبما تؤسس له من مرحلة جديدة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المنتخب المصري، رغم خروجه من كأس العالم أمام المنتخب الأرجنتيني، عاد إلى الوطن وقد حقق انتصارًا من نوع آخر؛ انتصارًا في احترام العالم، وثقة المتابعين، وإشادة الخبراء والنقاد ووسائل الإعلام الدولية بما قدمه من أداء مشرف عكس حجم التطور الذي شهدته الكرة المصرية خلال السنوات الأخيرة.
لقد قدم المنتخب نموذجًا يستحق التقدير، سواء من حيث المستوى الفني، أو الانضباط التكتيكي، أو الروح القتالية، أو كفاءة الجهازين الفني والإداري، فضلًا عن الأداء المتميز للجهاز الطبي، الذي كان جزءًا من منظومة متكاملة أثبتت أن الاستثمار في الرياضة يؤتي ثماره. كما قدمت الجماهير المصرية، داخل الوطن وخارجه، صورة حضارية في التشجيع والانتماء، لتؤكد أن مصر لا تملك منتخبًا قادرًا على المنافسة فقط، بل تمتلك أيضًا جمهورًا يعرف كيف يكون شريكًا في النجاح.
هذه الصورة المشرقة، التي رسمها المنتخب أمام العالم، كان يفترض أن تنعكس على الخطاب الإعلامي الرياضي في الداخل، وأن تكون بداية لمرحلة جديدة من التحليل الاحترافي والنقد الموضوعي. لكن الواقع كشف عن مفارقة مؤسفة؛ إذ بقي جزء من الإعلام الرياضي أسيرًا لثنائية الأهلي والزمالك، وكأن المنتخب الوطني مجرد امتداد لمنافسات الدوري المحلي، وليس ممثلًا لدولة بأكملها في أكبر محفل كروي في العالم.
فبدلًا من مناقشة الخطط، وقراءة الجوانب الفنية، وتحليل الأداء الفردي والجماعي، والانشغال بما يمكن البناء عليه مستقبلًا، تحولت بعض المنصات والاستوديوهات إلى ساحات لإعادة إنتاج الانتماءات الضيقة، وإحياء الجدل التقليدي بين جماهير الناديين، حتى طغت الألوان على العلم، وأصبح الحديث عن الأهلي والزمالك يسبق الحديث عن منتخب مصر.
إن المنتخب الوطني لا يمثل ناديًا، ولا يعبر عن انتماء جماهيري بعينه، وإنما يجسد هوية وطن بأكمله. ومن ثم، فإن أي محاولة لجر مباريات المنتخب إلى دائرة التعصب المحلي لا تسيء إلى المنتخب وحده، بل تسيء أيضًا إلى الأهلي والزمالك نفسيهما، بما لهما من تاريخ وقيمة رياضية كبيرة، كما تضر بصورة الإعلام الرياضي المصري أمام الرأي العام.
لقد تجاوزت الرياضة المصرية مرحلة البحث عن الاعتراف، وأصبحت تنافس وتحظى بالاحترام. ولذلك، فإن الإعلام الرياضي مطالب اليوم بأن يواكب هذا التطور، وأن ينتقل من منطق الإثارة إلى ثقافة التحليل، ومن الانحياز إلى المهنية، ومن صناعة الجدل إلى صناعة الوعي.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة جادة لمنظومة تغطية مباريات المنتخب الوطني، من خلال وضع ميثاق مهني واضح يحكم الأداء الإعلامي، ويعزز قيم الموضوعية والحياد، ويضمن أن يكون الحديث عن المنتخب قائمًا على أسس فنية، بعيدًا عن الاستقطاب والانتماءات المحلية. كما أن اختيار ضيوف الاستوديوهات التحليلية يجب أن يخضع لمعيار الكفاءة والالتزام المهني، لا لقدرتهم على إثارة الجدل أو تأجيج التعصب بين الجماهير.
إن النقد الموضوعي ضرورة لتطوير الأداء، أما تحويل مباريات المنتخب إلى ساحة للصراع بين الأهلي والزمالك، فليس ممارسة إعلامية مسؤولة، بل إهدار لقيمة الإنجاز الذي تحقق، وإضعاف للرسالة الوطنية التي يحملها المنتخب في المحافل الدولية.
لقد أثبتت مصر في كأس العالم أنها تمتلك منتخبًا قادرًا على كسب احترام العالم. ويبقى التحدي الحقيقي أن تمتلك إعلامًا رياضيًا يرتقي إلى مستوى هذا الإنجاز، ويؤمن بأن المنتخب الوطني ليس مساحة للانقسام، وإنما عنوان لوحدة المصريين جميعًا.
فعندما يرتدي اللاعب قميص المنتخب، تسقط كل الألوان، ولا يبقى إلا لون واحد… لون علم مصر.