الخميس 27 يناير 2022
القاهرة °C

“الشعب السوري ما بينذل” من شعار إلى واقع مذل

ألدار خليل

تعاني سوريا منذ عقد من الزمن من تأزم عام وعلى الأصعدة والمجالات كافة، وهذه التعقيدات هي جزء كبير ومهم من تعليق الحل، حيث كل هذا يلقي بظلاله على جهود الحل والمساعي الفعلية لتطويره، بالتوازي مع ضرر تام لحق أهم العوامل الرئيسية التي تمثل عماد وقوة أي بلد، حيث الواقع السياسي المشلول دون أية حركة والوضع الأمني السيئ والتراجع الاقتصادي مع الضعف الملحوظ فيه.
عندما نتحدث عن هذا الواقع فنحن لا نتناوله من باب التحليل بقدر ما نتحدث عن حجم الآلام التي تفتك بالسوريين، وحكماً نحن الكرد جزء من السوريين، حيث وبالرغم من وجود استقرار نسبي في العوامل المشارة إليها في مناطقنا والمفقودة سورياً. لكن؛ هذا لا يمنع من أن نشعر بحالة السوريين وأوضاعهم لأننا جزء لا ننفصل عن هذا الواقع، كذلك فإن نضالنا المستمر من أجل قضيتنا الكردية وحقوقنا الديمقراطية المشروعة وسعينا لتحقيق ذلك ليس بمعزل عن كافة التفاصيل السورية الأخرى التي يراها ويشعر بها كل السوريين دون تمييز. وهذا نابع من حرصنا على أن تكون سوريا مستقرة وآمنة، وهذا الحرص يشترك فيه كل من يتبنون المواقف الوطنية الفعلية في تشخيص الحل للأزمة المعقدة في سوريا.
من المؤسف أن نجد اليوم في مناطق سورية أن يعاني أهلنا السوريون مأساة حقيقة في الحصول على قوت يومهم ومتطلبات العيش اليومية والضرورية كالخبز أو الغاز وما إلى هنالك، هذا مؤلم مع أننا أيضاً نعيش بعض الأزمات وحالة الحصار وتكاتف الجهود العدائية ضد تجربة شعبنا لكن هذا لا يمنعنا من أن نشعر بألم الجسد السوري لطالما نحن جزء منه.
الأزمة التي تعاني منها مناطق سيطرة النظام السوري وكذلك المناطق المحتلة؛ لها أسبابها الداخلية بغض النظر عن تطور المواقف الخارجية. لكن؛ هناك مسؤوليات تتهرب منها جهات داخل سوريا ومنهم النظام والقوى التي تسمي نفسها بالمعارضة، هذه المسؤوليات تتمثل اليوم في حجم غياب منطق الحل وعقلية الانفتاح. حيث لا تزال هذه القوى تتسمك بخيارات ضيقة وأساليب معالجة تقليدية لا تحقق شيئاً للسوريين سوى ما نشاهده الآن، حيث خنق للشعب وجوع وإهانة في الوصول للقمة العيش وأدنى متطلبات المعيشة.
عقلية النظام وتعنته وإصراره على قراءة الواقع السوري بمنطق ضيق معضلة في سوريا وتعقيد للأمور، كذلك اتكالية القوى التي تسمي نفسها بالمعارضة على القوى الخارجية وتسليمها لإرادتها لهم أيضاً تعقيد للواقع وقراءة غير واقعية في ظل تحول هذه القوى لأدوات تمثل مصالح هذه الجهات لا الواقع السوري واحتياجاته.
من المخجل أن تمر سوريا وشعبها بهذه الظروف والصعوبات رغم غناها المجتمعي والاقتصادي والطبيعي، من المخجل أن نرى كبار السن يقفون في طوابير طويلة لعشرات الساعات سعياً وراء رغيف خبز أو متطلبات أخرى وهم بحالة من الذل. الرهان على الخارج، دون شك، لم ولن ينجح؛ وها هم المراهنون يلتمسون بأن أي قوة خارجية علناً تفضّل مصالحها على مصلحة أي سوري، كذلك رفض الحوار والتقوقع نتائجه واضحة في سوريا بشكل عملي على مدى عقد من الزمن ويشعر به كل سوري داخل سوريا وحتى في خارجها؛ إذن لماذا الإصرار على حلول دمرت ولا تزال ماضية في تدمير سوريا وشعبها؟
العقل والمنطق والمسؤوليات الجدية تفرض حلولاً معقولة حيث لا تكاد تكون صعبة ولا تحمل طابع التنازل لطالما هو خدمة لسوريا وشعبها واستقرارها، الحل الأمثل الذي يكمن في تبني لغة العقل والحوار والقراءة السليمة للواقع السوري وتفعيل الواجبات والمسؤوليات الوطنية في هذا الإطار والانفتاح على كافة القوى والأطراف التي تريد فعلاً سوريا جديدة وديمقراطية. الحل الذي يساهم في الحوار الداخلي الذي يفضي إلى تخليص هذا البلد من هذا الألم ويخلص شعبه من أوجاعه التي أثقلت كاهله وأعادته السياسات الضيقة والمحدودة إلى الوراء لعشرات السنوات حتى بات الفرد فيها يذل من أجل لقمة العيش.
من يرى هذا الواقع المر ويدرك الطريق السليمة للحل ويتهرب منها هو المسؤول عن ذل السوريين وإهانتهم، وعلى السوريين أن يوثقوا هذا في تاريخهم كي يبقى ذلك حياً وتعرف الأجيال من هم الفئة الأسوأ في بلادهم حينما يراجعون تاريخ سوريا والفاجعة التي ألمّت بها على يد من كانوا يسمون أنفسهم بأنهم سوريين وحماة وحدتها وكرامة شعبها. وكرامة شعبها.

to top