الإثنين 18 مايو 2026
القاهرة °C

نحو سردية تعايشية لتكامل الكرد مع الحكومة السورية المؤقتة

الحدث – القاهرة

إن أخطر ما في الصراعات ليس فوهات البنادق، بل “خنادق الحكاية”. الشعوب لا تتقاتل على الحاضر فقط، بل تتصارع على “امتلاك حقيقة الماضي”. في دراسات التحول الديمقراطي وبناء السلام، ندرك أن النزاعات الصفرية لا تُحسم بتوقيع المعاهدات الأمنية فحسب، بل بـ “تفكيك احتكار الحقيقة”. عندما تتصادم جماعتان (الكرد والعرب في سوريا انموذجا)، فإننا نكون أمام “انفطار في الوعي الجمعي”؛ حيث تصبح الحقيقة مجرد وجهة نظر عاطفية. الحوار المجتمعي هنا لا يستهدف الوصول إلى “نسخة تاريخية موحدة” —فهذا ضرب من الخيال— بل يستهدف خلق “سردية تعايشية” تمنح الخصوم الحق في الاختلاف دون اللجوء إلى العنف.

البداية ليست في “من بدأ الحرب؟”، بل في “من يشعر بالألم؟”. في السياسة الواقعية، إنكار مظلومية الآخر هو وقود لاستمرار الصراع.

الانتقال من “سردية الضحية الواحدة” إلى “سردية الآلام المتقاطعة”. الاعتراف بوجع الآخر لا يعني إقراراً بذنبك، بل هو إقرار بـ “إنسانيته”. عندما نقول: “نحن جميعاً نزفنا”، فإننا نسحب البساط من تحت خطاب الكراهية الذي يتغذى على “تفرّد المظلومية”. فدعنا نتفق على ما حدث، ولنترك للأجيال القادمة حرية الاختلاف حول ‘لماذا’ حدث.

ربما أن الشعوب قد لا تتفق أبداً على “تفسير الماضي”، لكنها تضطر للتوافق إذا أدركت “وحدة المصير في الكارثة”. وهنا نعني الانتقال من “سردية الذاكرة” إلى “سردية النجاة”.

إن صناعة الرواية المشتركة ليست عملية “تزوير للتاريخ”، بل هي عملية “تهذيب للذاكرة”، لتصبح صالحة للاستخدام المستقبلي. والذي يصر على “الحقيقة المطلقة” هو طرف فاشل في زيّ سياسي.

نحن لا نصالح الماضي لنغيره، نحن نصالحه لكي نتخلص من أن نكون أسرى لقبضته على رقابنا. وبمقارنة ما نقوله مع مبادرة ونداء السيد عبد الله أوجلان في “السلام والمجتمع الديمقراطي”، نرى أنه يتقرب بحساسية كبيرة من أجل الانتقال من العنف نحو النضال السلمي الديمقراطي. وأن مشروع السيد عبد الله أوجلان، وتحديداً في “مانيفستو الحضارة الديمقراطية” ونداءات السلام المتكررة، يمثل تطبيقاً نموذجياً لما نسميه “صناعة الرواية المشتركة” عبر تفكيك العقد التاريخية لصالح “المستقبل الضروري”. إن السيد أوجلان بتقديمه “المجتمع الديمقراطي” لا يفكك حدود الجغرافيا، بل يفكك “حدود الكراهية”.

إن الكرد في سوريا لا يطرحون السلام كصفقة تقنية بين قيادات أو أمراء أو جنرالات عسكريين، بل كعملية إعادة بناء سيكولوجي وهوياتي تهدف لجر الحكومة السورية المؤقتة والمجتمع الكردي من “خنادق الحكاية” إلى “فضاء العيش المشترك والتكامل المجتمعي”.

وأن التمسك بسردية “الدولة القومية” الصارمة في جغرافيا معقدة كسوريا أو تركيا أو إيران وحتى العراق والشرق الأوسط سيؤدي حتماً إلى إبادة متبادلة (سردية الضحية والجلاد). لذلك طرح مفهوم “التكامل والمجتمع الديمقراطي” كبديل للأمة القومية والدينية. هذه “الرواية المشتركة” لا تطلب من الكردي أن ينسى هويته، ولا من التركي أن يتخلى عن دولته ولا من العربي أن ينسلخ عن عروبته ولا من الإيراني أن ينسى تاريخه، بل تجمعهم على “قصة واحدة” هي: المواطنة الديمقراطية فوق الأرض المشتركة. هذا هو “الجسر الذهبي” الذي يمنح الأطراف مخرجاً كريماً دون إعلان هزيمة أحد. حيث أن مفهوم “التكامل” لا يعني حل ‘الإدارة الذاتية’ الكردية، بل تحويلها إلى “منطقة حكم موسع” ضمن دستور سوري جديد. هذا هو “الجسر الذهبي” الذي يحفظ ماء الوجه للجميع.

في نداءات السلام، ينبغي التركيز بشكل لافت على “الذكاء الثقافي”. علينا أن لا نخاطب سوريا أو تركيا أو إيران ككيانات سياسية فحسب، بل ينبغي أن يتلمس الخطاب العمق الثقافي لبلاد الشام وللأناضول، مبرزين التاريخ المشترك الذي يسبق تشكل القومية الحديثة. وعلى طرفي النزاع في سوريا (الكرد والحكومة السورية المؤقتة)، أن لا ينتظروا ‘نهاية الحرب’ ليبدؤوا الحوار. ابدؤوا اليوم بـ’خنادق الحكاية’، لأن من ينتصر في سردية الماضي يخسر مستقبل الأبناء. الرواية المشتركة ليست طوبى، بل هي “أكثر أشكال الردع فعالية”؛ إنها الردع بالاعتراف بدل الردع بالسلاح. إما أن نصنع معًا ‘سردية النجاة’، أو سنظل أسرى “لحظة إطلاق النار الأولى”، نعيد إنتاجها جيلاً بعد جيل.

إن بناء مجالس محلية، وتعاونيات، ومنصات حوار بين المكونات (كرد، ترك، عرب، فرس، سريان)، هو بمثابة “تهيئة للأرض”. هذه الممارسات تخلق “حقائق صلبة” على الأرض تجبر الدولة في النهاية على اللحاق بالواقع المجتمعي. إنها استراتيجية “جر الدولة للسلام” عبر جعل كلفة الحرب اجتماعياً وأخلاقياً باهظة الثمن.

إن قوة نداءات الكرد في سوريا تكمن في أنها لا تضع الدولة السورية في قفص الاتهام التاريخي الدائم، بل تدعوها لتكون شريكاً في “عصر ديمقراطي جديد”. وأن نجاح هذا المسار يتوقف على مدى قدرة الطرف الآخر (الدولة) على قراءة هذه “الرواية المشتركة” ليس كتهديد لكيانها، بل كطوق نجاة لمستقبلها.

to top