الحدث – القاهرة
تواجه شعوب الشَّرق الأوسط تحدّيات عميقة نتيجة السّياسات الإقصائيَّة والأحاديَّة، ما يستدعي تبنّي مشروع ديمقراطي تعدُّدي يضمن مشاركة جميع المكوّنات، ويؤسّس لاستقرار مستدام قائم على العدالة والتَّكامل الإقليميّ.
يمرُّ الشَّرق الأوسط منذ عقود بمنعطفات بنيويَّة حادّة أعادت تشكيل خارطته السّياسيَّة والاجتماعيَّة؛ إذ دخلت المنطقة في هذا الطُّور السَّلبي والمأزق التَّاريخيّ منذ أنْ تمَّ تقسيمها وهندستها جغرافيَّاً وسياسيَّاً إلى دويلات وحدود مصطنعة، دون أيّ اعتبار لتاريخ شعوبها، وتنوع مجتمعاتها، وإرادتها الحرّة. وإذا كان التَّاريخ الحديث للمنطقة قد اتسم جرّاء هذا التَّقسيم بالاضطراب الكثيف، فإنَّ نقطة التَّحوّل الأبرز بدأت تتشكّل معالمها منذ حرب الخليج الثَّانية وما تلاها من سقوط نظام صدام حسين في عام 2003 وصولاً لما تمَّ تسميَّته بالرَّبيع العربي وحرب غزّة والحرب الحاليَّة بين إيران وأمريكا-إسرائيل. هذه الأحداث لم تكن مجرّد تغيّرات في أنظمة الحكم، بل كانت إيذاناً بانفجار الأزمات البنيويَّة المؤجّلة النَّاجمة عن ذلك التَّقسيم التَّاريخي الأول، ودخول المنطقة في أتون ما يمكن وصفه بـ “الحرب العالميَّة الثَّالثة الحالية المبتدئة والمجزّأة”.
وفي قلب هذه الفوضى العارمة، يبرز تياران أيديولوجيّان وظيفيّان: التَّيار القوموي المتطرّف (الطُّوراني أو الإيراني أو العروبي) وتيار الإسلام السّياسي (الإسلامويَّة بشقّيه السُّنّي والشّيعي). ورغم التَّناقض الظَّاهري في شعاراتهما وطقوسهما الشَّكليّة، إلّا أنَّ القراءة العميقة لسلوكهما السّياسي تكشف عن وحدة بنيويَّة في الأداء والنّتائج، تتجلّى في الأحاديَّة، السَّلطويَّة المطلقة، والارتباط العضوي بالمشاريع الخارجيَّة، ليكونوا الأداة المحلّيَّة الأبرز في استمرار وتعميق هذا الطَّور السَّلبي الّذي بدأ مع التَّقسيم الأول، بل ويمكننا القول أنَّ ممارسات التَّيارين(القومويَّة والإسلامويَّة) تلاقت منذ البداية مع تكتيكات التَّقسيم القديمة ومع إعادة الهندسة الإقليميَّة المتجدَّدة والمعرّفة دوليّاً بـ “مشروع الشَّرق الأوسط الكبير أو الجديد”، والّذي سعى لتفكيك البُنى الوطنيَّة القائمة لتلبية مصالح القوى المهيمنة العالميَّة، وليس مصالح شعوب المنطقة وطموحاتها.
أيديولوجيا الإقصاء.. الأحادية والسَّلطوية المطلقة
تشترك القومويَّة والإسلامويَّة في جذر فكري وسلوكي واحد يقوم على نفي الآخر واحتكار الحقيقة المطلقة والمشروعيَّة السّياسيَّة، وهو ما أدَّى مباشرةً إلى إقصاء التَّكوّينات الوطنيَّة التَّاريخيَّة والاجتماعيَّة الّتي تشكّل ثراء هذه المنطقة:
1ـ الأنظمة والتَّيارات القومويَّة: اختزلت الأوطان في العرق أو القوميَّة السَّائدة، وحوّلت الدَّولة إلى أداة قمعيّة لصهر التَّنوّع الإثني والثَّقافي الغني في قالب واحد قسري. هذا الاختزال قاد إلى إقصاء التَّكوينات الوطنيَّة من كرد وأمازيغ وأرمن وآشور وسريان وغيرهم، واعتبار مطالباتهم بحقوقهم الثَّقافيَّة والسّياسيَّة المشروعة بمثابة تهديد للأمن القومي، ممّا أنتج دكتاتوريَّات عسكريَّة وأمنيَّة مطلقة ألغت مجتمعاتها.
2- تيارات الإسلام السّياسي: في المقابل، استبدلت الإسلامويَّة مفهوم “القوميَّة” بمفهوم “الأيديولوجيَّا الدينيَّة الحزبيَّة”. وبدلاً من المواطنة الشَّاملة، قسّمت المجتمعات على أساس الولاء العقائدي المذهبي، ممّا تسبّب في إقصاء التَّكوينات الوطنيَّة المتنوّعة؛ ليس فقط المكوّنات غير المسلمة، بل تمَّ إقصاء وتكفير كلّ القوى الشَّعبيَّة والوطنيَّة الّتي لا تتماشى مع مشروعهم السّياسي الضَّيق.
هذه الأحاديَّة قادت حتماً إلى سلطويَّة مطلقة؛ فالإيمان باحتكار الصّواب يلغي بالضَّرورة الحاجة إلى التَّداول السَّلمي للسَّلطة أو التَّعدُّديَّة السّياسيَّة، ويجعل من العنف والإقصاء الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الحكم أو الوصول إليه.
الانهيار المعيشي البنيوي.. الاقتصاد، الصَّحّة، والتَّعليم
ولم تقتصر أثمان هذه الأحاديَّة والسَّلطويَّة على الجانب السّياسي فحسب، بل دفع إنسان المنطقة الثَّمن الأكبر من قوّته وحياته ومستقبل أبنائه، إنَّ ممارسات هذين التَّيارين أنتجت كارثة تنمويَّة غير مسبوقة تجلّت في:
1ـ الأوضاع الاقتصاديَّة الصَّعبة: تسبّبت سياسات النَّهب والفساد البنيوي المرتبطة بالأنظمة القومويَّة السَّلطويَّة، وحروب الاستنزاف والتَّدمير الّتي خاضتها وشاركت فيها الإسلامويَّة بشقّيها السُّنّي والشّيعي، في سحق الاقتصاديّات الوطنيَّة. وارتفعت معدلات البطالة والتَّضخُّم إلى مستويات قياسيَّة، وتآكلت الطَّبقة الوسطى، وتحوّلت بلدان غنيّة بالموارد إلى بؤر للفقر والعوز، وساحات تعتمد على المساعدات الخارجيَّة، كما هي تركيا وإيران وغيرها.
2- تدهور القطّاع الصَّحّي: تحوّل الحقّ في العلاج والرّعايَّة الصَّحّية إلى رفاهيَّة بعيدة المنال، فقد تعرّضت البُنى التَّحتيَّة للمستشفيات والمراكز الطّبية للدمار أو الإهمال المتعمّد لصالح الإنفاق العسكري والأمني للأجهزة السلطويّة والميليشياويّة، ممّا أدّى إلى هجرة العقول الطبّيَّة وتفشّي الأوبئة والأمراض المزمنة دون مغيث.
3- تدمير المنظومة التَّعليميَّة: عانى التَّعليم من ضربة مزدوجة، فالأنظمة القومويَّة حوّلت المدارس والجامعات إلى دور للتلقين الأيديولوجي وتأليه الحاكم، بينما سعت تيارات الإسلام السّياسي – عند تمكُّنها – إلى أدلجة المناهج وتجهيل المجتمع ونشر الفكر الغيبي الإقصائي. وكانت النَّتيجة تراجُعاً حادّاً في جودة التَّعليم، وتفشّي الأميَّة، وانفصال الأجيال النَّاشئة عن ركب التَّطوّر العلمي العالمي.
التبعيَّة للخارج والتَّكامل مع “الشَّرق الأوسط الكبير”
أثبتت التَّجربة التَّاريخيَّة، لاسيَّما في ظلّ الصّراعات الممتدّة منذ عام 2003، أنَّ هذين التَّيارين عاجزان عن بناء مشروع إنقاذ وطني ذاتي، بل وجدا نفسيهما – بوعي أو بدون وعي – جزءاً من أدوات التَّفكيك الفوضوي الّتي ابتغاها مشروع الشَّرق الأوسط الكبير. هذا المشروع الدَّولي الّذي صُمم لإعادة رسم حدود المنطقة وإضعاف دولها، وجد في الأيديولوجيات المغلقة ضالّته المنشودة.
لم تكن الأيديولوجيّات الشَّموليَّة يوماً جدار صدّ أمام التَّدخُّلات الخارجيَّة، بل كانت على الدَّوام الحامل المحلّي لمشاريع الهيمنة العالميّة الّتي تستهدف تفتيت المنطقة وتأمين مصالح القوى الكبرى.
1ـ هنا نجد إنَّ الإسلامويَّة بشقّيها السُّنّي والشّيعي قد ارتبطت بمحاور إقليميَّة ودوليَّة عابرة للحدود الوطنيَّة؛ حيث تحوّلت جماعات وميليشيات الإسلام السّياسي إلى أدوات وظيفيَّة لتدمير النَّسيج المجتمعي والدّول الوطنيَّة، ممّا مهّد الطَّريق لتدخُّل قوى الهيمنة العالميّة وإدارتها للأزمات وفقاً لمصالحها في الطّاقة والنّفوذ الجيوسياسي.
2- وعلى الجانب الآخر، فإنَّ الأنظمة القومويَّة والسَّلطويَّة، وتحت شعار “مواجهة المؤامرات”، لم تتردّد في رهن مقدّرات بلدانها وسيادتها لقوى دوليَّة كبرى لحماية كراسي الحكم، ممّا جعل القرار الوطني مصادراً بالكامل ومحكوماً بالتَّوازنات الخارجيَّة لا بالإرادة الشَّعبيَّة ومصالح الشَّعوب المحلّيَّة.
التَّعدُّدية والتشاركيّة.. المدخل البنيوي لحلّ القضايا الوطنيَّة
في ظلّ استمرار أمواج “الحرب العالميَّة الحالية” وتكالب المشاريع الإقليميَّة والدَّوليَّة، يصبح الاستمرار في نهج الأحادية، والتَّجهيل، والإفقار انتحاراً جماعيّاً لشعوب المنطقة، إنَّ البديل الحتمي والوحيد القادر على وقف هذا التَّدهور واستعادة بوصلة الإنقاذ يتلخّص في الانتقال نحو نموذج ديمقراطي تشاركي تعدُّدي.
إنَّ التَّعدُّديَّة السّياسيَّة والمجتمعيَّة ليست مجرّد ترف، بل هي اعتراف واقعي وحقوقي بالطَّبيعة الفسيفسائيَّة الأصيلة للشّرق الأوسط، والمدخل الوحيد لإعادة بناء ما دمّرته الأحادية من خلال:
1ـ إنهاء سياسات إقصاء التَّكوينات الوطنيَّة: عبر صياغة عقود اجتماعیَّة جديدة تقوم على مفهوم المواطنة المتساويَّة، والاعتراف الدَّستوري بكافة المكوّنات القوميَّة والدّينيّة والثَّقافيَّة، والانتقال من نموذج “دولة الطَّائفة أو العرق المهيمن” إلى “الجمهوريَّة الديمقراطيَّة”.
2ـ التشاركيَّة في صنع القرار والإنقاذ الخدمي: إنهاء مركزيَّة السُّلطة المطلقة وتفعيل الإدارات الذَّاتيَّة والمحلّيَّة واللامركزيَّة الدّيمقراطيَّة، بما يضمن إدارة عادلة للموارد وتوجيه الثَّروات لإعادة إعمار القطّاعات الحيويَّة مثل الصّحّة والتَّعليم، وجعل المجتمعات المحلّيَّة شريكة حقيقيَّة في إدارة شؤونها اليوميَّة والتَّنمويَّة.
بناء القدرة الذَّاتيَّة لمواجهة التَّحدّيات
إنَّ تحصين المنطقة ضدَّ المشاريع الاستعماريَّة مثل “الشَّرق الأوسط الكبير” وغيره والدّفاع عن أمنها القومي المشترك لا يمكن أنْ يتحقّق عبر التَّرسانات العسكريَّة للأنظمة الاستبداديَّة أو عبر الولاءات المذهبيَّة العابرة للحدود، بل عبر بناء القدرة الذَّاتيَّة الوطنيَّة الشَّاملة، والّتي ترتكز على ثلاثة أركان:
التَّلاحم المجتمعي عبر العقود الوطنيَّة والدَّساتير التَّعدّديَّة: لا يمكن للجبهة الدَّاخليَّة أنْ تتماسك إلّا بإنهاء سياسات الإقصاء، والإفقار، والتَّجهيل. ويتطلّب ذلك صياغة عقود وطنيَّة جديدة وتأسيس دساتير ديمقراطيَّة حديثة تعترف صراحةً بالتَّعدُّديَّة القوميَّة، والدّينيَّة، والسّياسيَّة للمجتمع، وتضمن حقوق كافّة المكوّنات دون تمييز، عندما تشعر هذه المكوّنات بأنَّ الدَّولة تمثّلها، وتحمي وجودها، ومستقبل أبنائها عبر مظلّة دستوريَّة وقانونيَّة حاسمة، تتحوّل تلقائيَّاً إلى خطّ الدّفاع الأول عن الوطن لبناء جمهوريّات ديمقراطيَّة مستقرَّة.
التَّكامُل الإقليمي لشعوب المنطقة: بدلاً من محاور الحروب بالوكالة الّتي تغذيها الإسلامويَّة بشقّيها السُّنّي والشّيعي أو القومويَّات المتطرّفة، تبرز الحاجة إلى بناء منظومة تعاون إقليمي ديمقراطي تقوم على المصالح المشتركة للشَّعوب الأصيلة في المنطقة (العرب، الكرد، الأتراك، الفرس، والآشور والسّريان والأرمن وغيرهم).
التَّنمية المستدامة والاعتماد على الذّات: التَّشارك السّياسي يفتح الباب لتشارك اقتصادي يحارب الفساد البنيوي المرتبط بالاستبداد، ويوجّه الموارد لبناء اقتصاديّات إنتاجيَّة متينة، ومنظومات تعليميَّة وصحيّة متطوّرة قادرة على الصَّمود في وجه الأزمات الدَّوليَّة الحاليّة والمقبلة.
خاتمة
إنَّ الحرب المستعرّة في المنطقة منذ عقود تؤكّد أنَّ صلاحيَّة الأيديولوجيّات الشَّموليَّة والأحادية قد انتهت تماماً، بعد أنْ تحوّلت إلى واجهات وأدوات لتمرير مشاريع قوى الهيمنة العالميّة على حساب دماء وثروات ومستقبل شعوب المنطقة. إنّ مستقبل الشَّرق الأوسط يتوقّف اليوم على شجاعة قواه الحيّة في تبني خطّ فكري وسياسي جديد، خطّ يرى في التَّعدُّديَّة مصدر قوّة، وفي اعتراف وحماية كافّة التَّكوينات الوطنيَّة صمام أمان، وفي التَّشاركيَّة والدّيمقراطيَّة سبيلاً وحيداً لاستعادة السّيادة وبناء الإرادة والقدرة الذَّاتيَّة الحرّة لجميع شعوب المنطقة.