الجمعة 8 مايو 2026
القاهرة °C

محمد أرسلان علي يكتب : عقلية الإقصاء: من “هلال” البعث إلى “هلال” الإسلام السياسي

الحدث – القاهرة

في التجارب التاريخية للدول المتعددة القوميات والثقافات، لم تكن الأزمات الكبرى وليدة التنوع بحد ذاته، بل نتيجة عقلية الإقصاء التي ترفض الاعتراف بالآخر كشريك متساوٍ في الوطن. وسوريا، منذ تأسيس الدولة الحديثة، عاشت هذا التناقض العميق بين واقعها التعددي وبين مشاريع الهيمنة القومية والأيديولوجية التي حاولت اختزال البلاد في هوية واحدة ولغة واحدة وثقافة واحدة. وفي قلب هذا الصراع، كان الكرد دائمًا في مواجهة سياسات الإنكار والتهميش، من عهد البعث إلى المرحلة الجديدة التي أعقبت سقوط النظام السابق وصعود السلطة الانتقالية في دمشق بقيادة أحمد الشرع.

حين نتأمل الخطاب السياسي لبعض الشخصيات المحيطة بالسلطة الجديدة، نكتشف أن المشكلة ليست فقط في تبدّل الأسماء أو الرايات، بل في استمرار البنية الذهنية ذاتها؛ عقلية تعتبر الاعتراف بالتعدد تهديدًا، وترى في أي خصوصية قومية أو ثقافية مشروع انفصال يجب قمعه أو احتواؤه.

لقد مثّل الضابط البعثي محمد طلب هلال أحد أبرز منظّري السياسات العنصرية ضد الكرد في سوريا، حين وضع مشروع “الحزام العربي” الذي استهدف تغيير البنية الديموغرافية للمناطق الكردية عبر التعريب المنهجي، وحرمان الكرد من حقوقهم السياسية والثقافية واللغوية. لم يكن ذلك مجرد إجراء إداري، بل مشروعًا لإعادة هندسة الهوية السورية وفق تصور قومي أحادي ينكر وجود شعب كامل.

اليوم، يشعر كثير من الكرد أن بعض الممارسات والخطابات الصادرة عن شخصيات في السلطة الجديدة المؤقتة، ومنها تصريحات ومواقف أحمد هلال، تعيد إنتاج الذهنية نفسها وإنْ بصيغة مختلفة. فرفض اللغة الكردية في اللافتات الرسمية، أو التعامل مع الحقوق الثقافية باعتبارها “تفصيلًا ثانويًا”، يعكس استمرار عقلية ترى في الاعتراف بالكرد تنازلًا لا حقًا طبيعيًا.

ومن هنا تنبع رمزية تعبير “الهلالين”: بين محمد طلب هلال الذي مثّل التعريب البعثي، وأحمد هلال الذي يمثّل التعريب الاسلاموي، الذي يُنظر إليه كرديًا بوصفه امتدادًا لذهنية مركزية جديدة لا تزال غير قادرة على استيعاب سوريا التعددية.

المفارقة الكبرى أن الكرد لم يعودوا مجرد “ملف داخلي” يمكن تجاوزه أو قمعه كما في العقود السابقة. لقد تغيّرت المعادلات جذريًا بعد الحرب السورية، خصوصًا مع صعود قوات سوريا الديمقراطية بوصفها قوة محورية في مواجهة تنظيم داعش. ففي الوقت الذي انهارت فيه مؤسسات الدولة السورية في مناطق واسعة، لعبت القوات الكردية وشركاؤها دورًا حاسمًا في محاربة الإرهاب، وقدّمت آلاف الضحايا دفاعًا عن الاستقرار المحلي والإقليمي.

هذا التحول جعل الكرد “بيضة القبان” في مستقبل سوريا، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا أيضًا. فشمال وشرق سوريا أصبح نموذجًا ـ رغم كل ملاحظاته ونواقصه ـ لتجربة تقوم على الإدارة الذاتية، وتمثيل المرأة، والتعددية القومية والدينية، مقارنةً بمشاريع سلطوية أخرى ما تزال أسيرة العقلية الأحادية.

ولهذا فإن أي مشروع لبناء سوريا مستقرة لن ينجح دون شراكة حقيقية مع الكرد، قائمة على الاعتراف الدستوري والسياسي والثقافي، لا على منطق الاحتواء المؤقت أو الوعود المرحلية.

قضية المرأة هي صدام بين مشروعين من الناحية الفكرية. إحدى أهم نقاط التناقض بين المشروع الكردي وبعض تيارات الإسلام السياسي تتمثل في مسألة المرأة. ففي مناطق الإدارة الذاتية، برزت المرأة الكردية ليس فقط كمقاتلة في وحدات حماية المرأة، بل كشريكة في الإدارة والسياسة وصنع القرار.

هذا التحول لم يكن شكليًا، بل مثّل انقلابًا اجتماعيًا وثقافيًا في منطقة طالما خضعت للبنى الذكورية التقليدية. وفي المقابل، ما تزال بعض التيارات الإسلاموية تنظر إلى دور المرأة من زاوية محافظة تحصرها في المجال العائلي، وتتعامل مع مشاركتها السياسية والعسكرية بوصفها خروجًا عن “الطبيعة الاجتماعية”.

لذلك فإن الخلاف هنا ليس إداريًا أو سياسيًا فقط، بل هو صراع بين رؤيتين لسوريا؛ رؤية ديمقراطية تعددية تحاول إعادة بناء المجتمع من جديد وكذلك تعريف المواطنة، ورؤية مركزية محافظة تخشى التغيير الاجتماعي والثقافي.

إن المماطلة في تنفيذ الاتفاقات مع قوات سوريا الديمقراطية، والتردد في إطلاق سراح الأسرى، وعدم تقديم ضمانات واضحة بشأن الحقوق القومية والثقافية للكرد، كلها مؤشرات تثير مخاوف حقيقية من إعادة إنتاج الأزمة السورية بأشكال جديدة.

فالدولة التي لا تعترف بتنوعها محكومة بالدخول في دورات متكررة من الصراع. والتاريخ السوري الحديث يثبت أن سياسات الإنكار لم تنتج وحدة وطنية، بل عمّقت الانقسامات ودفعت المكونات المختلفة إلى فقدان الثقة بالمركز.

إن بناء سوريا المستقبل يتطلب تجاوز عقلية “الغالب والمغلوب”، والانتقال نحو مفهوم الدولة التشاركية التي تعترف بجميع مكوناتها دون تمييز. فالكرد ليسوا جالية مهاجرة ولا أقلية طارئة، بل شعب أصيل ساهم في تاريخ سوريا وثقافتها وسياساتها.

اليوم تقف سوريا أمام مفترق طرق تاريخي؛ إما إعادة تدوير العقلية القديمة بأسماء جديدة، أو بناء عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة المواطنة الحقيقية.

إن “عقلية الهلالين” ـ بوصفها رمزًا للاستمرارية الذهنية بين التعريب البعثي والإقصاء الديني المعاصر ـ لا يمكن أن تبني وطنًا مستقرًا. فالقوة لا تصنع الشرعية، والهيمنة لا تنتج شراكة، وإنكار الآخر لا يحفظ وحدة البلاد.

لقد أثبت الكرد خلال الحرب السورية أنهم عنصر استقرار لا عامل تفكك، وأن مشاركتهم السياسية والعسكرية كانت جزءًا أساسيًا من حماية سوريا والمنطقة من الإرهاب والانهيار. ولذلك فإن مستقبل سوريا لن يُكتب بعقلية الإقصاء، بل بعقلية الاعتراف المتبادل والشراكة الحقيقية والتكامل الديمقراطي.

وفي النهاية، فإن السؤال الذي يواجه السلطة السورية الجديدة ليس؛ كيف تُخضع الكرد؟ بل كيف تبني دولة يشعر فيها الكرد، والعرب، والسريان، وسائر المكونات، أنهم متساوون في الكرامة والحقوق والانتماء.

to top